سدّ الفجوة: نحو تمويل مستدام للمناخ في ليبيا
3 آب/أغسطس 2026
قبل عامين، عندما عدتُ إلى ليبيا بصفتي نائباً للممثل المقيم في الرابع من أغسطس 2024، كانت البلاد تواجه بالفعل تحديات مناخية وشحاً شديداً في المياه. وباعتبارها واحدة من أكثر الدول إجهاداً مائياً على وجه الأرض، فإن تأمين موارد المياه العذبة المستدامة يمثل أولوية وطنية قصوى. وما لفت انتباهي حقاً خلال فترة إقامتي هو النهج الاستباقي الذي يتخذه شركاؤنا الوطنيون لمعالجة هذه القضايا.
لقد أسعدني كثيراً رؤية مبادرات مستهدفة لأمن المياه وهي قيد التنفيذ بالفعل، بهدف معالجة هذه الهشاشة الحرجة. ولا تقتصر هذه الجهود على إدارة الموارد المائية المحدودة بشكل أكثر كفاءة فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على روح التعاون بين مختلف الأطراف الفاعلة والمكرسة لحماية إمدادات المياه في ليبيا للأجيال القادمة. إنه لمن الملهم حقاً أن نشهد هذا الالتزام القوي بتطوير حلول تضمن مساراً مستداماً للمستقبل، حتى في مواجهة الصعاب.
وتأسيساً على تلك القاعدة، شهدتُ المراحل الأولى لصحوة بيئية هامة في ليبيا. فقبل أشهر قليلة من وصولي، تم إطلاق مشروعين رئيسيين بتمويل من الاتحاد الأوروبي، يهدفان إلى دعم انتقال الطاقة في البلاد ومواجهة تغير المناخ. كان الزخم نحو التحول الأخضر ملموساً، لكننا واجهنا تحديات هيكلية كبيرة في ترجمة هذا الطموح إلى عمل واسع النطاق.
خارج خط تمويل المناخ العالمي
على مدى قرن تقريباً، قدمت الصناديق الرأسية العالمية — مثل صندوق المناخ الأخضر (GCF) ومرفق البيئة العالمية (GEF) — أكثر من 50 مليار دولار لمكافحة أزمة المناخ. ومع ذلك، وجدت ليبيا نفسها مستبعدة إلى حد كبير من خط التمويل هذا. فبين عامي 2015 و2024، لم تتلقَّ البلاد أي استثمارات في شكل منح مباشرة للبنية التحتية الهيكلية. لم يكن هذا بسبب غياب الرغبة المحلية، بل كان انعكاساً للشروط الدولية الصارمة للتمويل؛ إذ لا يمكن لرأس المال العالمي أن يتدفق دون وجود بيانات تاريخية موثقة وجهات تنفيذية وطنية معتمدة.
وتحت قيادة الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا، الدكتورة صوفي كيمخدزه، نعمل بنشاط على تحويل تحديات الاستثمار البيئي إلى فرص واعدة لليبيا. وقد مكنتنا الثقة التي أولتها الجهات الحكومية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من العمل معاً عن كثب لمعالجة هذه العقبات.
ومع ذلك، فإن التغلب على هذه الحواجز يتطلب إرادة سياسية كبيرة وتنسيقاً فنياً فعالاً. ومنذ عام 2017، تعمل فرق فنية مخصصة من مختلف الوزارات بجد لجمع بيانات الانبعاثات للمساعدة في توجيه استراتيجياتنا. ومع ذلك، فإن تلمس طريقنا عبر تعقيدات المشهد المؤسسي يستغرق وقتاً.
إن هذا النهج المتأني يعد أمراً حاسماً لضمان ألا تقتصر المبادرات البيئية على كونها مستندة إلى معلومات دقيقة فحسب، بل إنها مستدامة أيضاً على المدى الطويل. ومن خلال مواصلة العمل المشترك، يمكننا تعظيم إمكانات ليبيا في مجالات التحسين والاستثمار البيئي، مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر خضرة.
نقطة تحول تاريخية
لقد تغير هذا الوضع في الشهر الماضي، يوليو 2026، مما يمثل تحولاً حاسماً في مسار ليبيا البيئي.
وفي إنجاز بارز، اعتمدت حكومة الوحدة الوطنية — شريكنا الرئيسي في هذه المسيرة — رسمياً "الإطار الوطني للمناخ في ليبيا". وقد نجح هذا القرار المفصلي في إيصال أول مساهمة محددة وطنياً لليبيا (NDC) للفترة 2026–2035 إلى خط النهاية.
وتكشف البيانات الواردة في هذه المساهمة المحددة وطنياً المعتمدة حديثاً عن الحجم الحقيقي للمهمة التي تنتظرنا؛ إذ تشير التقديرات إلى وجود فجوة تمويلية هائلة، حيث يُتوقع الحاجة إلى نحو 29.5 مليار دولار للتخفيف من آثار الانبعاثات الكربونية، إلى جانب ما يصل إلى 2.4 مليار دولار لتدابير التكيف العاجلة لحماية النظم الغذائية والصحية والمائية.
وإلى جانب هذا الإنجاز المناخي، اعتمدت حكومة الوحدة الوطنية أيضاً استراتيجية أمن المياه التي طال انتظارها. ومع الموافقة الرسمية على الاستراتيجية، فإن الخطوة التالية الحاسمة هي البدء في تنفيذها؛ فالتعاون الوثيق مع الشعب الليبي ومؤسسات الدولة يعد أمراً أساسياً لتحويل هذه الرؤية المشتركة إلى واقع مائي آمن.
فتح آفاق الصناديق الرأسية
إن جسر فجوة التمويل البيئي في ليبيا، والبالغة 31 مليار دولار، ليس مجرد طموح، بل هو ضرورة اقتصادية تتطلب تعاوناً عالمياً قوياً. وبدعم مستمر من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نشهد أخيراً فتح قنوات مالية حيوية من شأنها تسهيل جهودنا في هذا المجال.
لقد نجحنا في حشد الموارد من مرفق البيئة العالمية (GEF) لإعادة تأهيل حوض بحيرات أوباري الهش، وهو نظام بيئي بالغ الأهمية تأثر بشدة بتغير المناخ والممارسات غير المستدامة. بالإضافة إلى ذلك، أطلقنا مبادرة تمويل التنوع البيولوجي (BIOFIN) لمعالجة التحدي الكبير المتمثل في التمويل في ليبيا، والتي تهدف إلى حماية النظم البيئية الطبيعية من خلال تطوير استراتيجيات مالية مصممة لضمان حمايتها وإدارتها بشكل مستدام. تمثل هذه الجهود خطوة إيجابية إلى الأمام، لكنها مجرد بداية لرحلتنا الطموحة.
وفي الوقت الحالي، يشارك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا بنشاط في إعداد مقترحات متعددة لصندوق المناخ الأخضر (GCF). ويجري هذا العمل بشراكة وثيقة مع مختلف وكالات ومنظمات الأمم المتحدة الشقيقة، فضلاً عن صندوق التكيف، مما يظهر التزامنا بنهج تعاوني مشترك.
والأهم من ذلك، بدأت ليبيا في الاستفادة من تدفقات التمويل الرأسي، مما مكننا من تأمين موارد مالية بالغة الأهمية لمبادراتنا البيئية. ولا سيما نجاحنا في الحصول على تمويل من صندوق كونمينغ للتنوع البيولوجي (KBF)، والذي سيعزز قدراتنا بشكل أكبر لحماية التنوع البيولوجي والاستجابة للتحديات البيئية العاجلة التي تواجهها البلاد.
ومن خلال هذه الجهود الجماعية، فإننا نضع الأساس لمستقبل مستدام يعالج المرونة البيئية والتنمية الاقتصادية في ليبيا على حد سواء.
ما وراء السياسات: حياة الناس والمجتمعات المحلية
في نهاية المطاف، لا تقتصر هذه الإنجازات في مجال السياسات على الأوراق والوثائق فحسب، بل تتعلق بحياة ناس حقيقيين. فعلى أرض الواقع، بدأ تركيزنا المبكر على أمن المياه يحدث فرقاً ملموساً بالفعل، حيث ساهم في استقرار الوصول إلى مياه الشرب النظيفة والآمنة لنحو 400,000 شخص، وجلب الإغاثة الحيوية للأسر في بعض أكثر مناطقنا هشاشة. وفي الوقت نفسه، نتطلع إلى الخطوط الساحلية، حيث تساعد مشاريع الحفاظ على البيئة البحرية الجديدة مجتمعات الصيد المحلية على حماية الأنظمة البيئية الحساسة للبحر الأبيض المتوسط، وكذا سبل العيش التقليدية التي دعمتهم لأجيال متتالية.
لقد كان مشهداً مؤثراً للغاية رؤية ليبيا وهي تخرج من عقد من العزلة المناخية لتخطو بثبات نحو الساحة العالمية. إنه دليل قوي على ما يمكن تحقيقه عندما تلتئم العزيمة الوطنية مع التعاون الاستراتيجي. ومن خلال العمل معاً لتحديد أهداف مناخية واضحة وموحدة، ليبيا الآن لا تفتح الأبواب أمام التمويل الدولي فحسب، بل إنها تستعيد مكانتها المستحقة في الحراك العالمي وتبني وطناً أكثر أماناً وأكثر مرونة لشعبها.