رحلة "زين" من بسطة في الشارع إلى محل أسماك مستدام في عدن
1 آذار/مارس 2026
في قلب مدينة عدن، حيث تعبق الأزقة برائحة البحر ويعلو صوت الأمواج من الساحل القريب، بدأ زين، البالغ من العمر 36 عاماً، رحلته في بيع الأسماك. لسنوات طويلة كان يقف على جانب الطريق عارضاً أسماكه تحت أشعة الشمس الحارقة، يخدم المارة بما تيسر من رزقه.
زين، تاجر أسماك في عدن، اليمن.
يقول زين: "لم تكن الحياة كبائع متجول سهلة. كنا نعاني من الغبار والحرارة وانقطاع الكهرباء المتكرر. كانت الأسماك مكشوفة في الهواء الطلق، وكان بعض الزبائن يترددون في شرائها بسبب مخاوف تتعلق بالنظافة."
محل زين بن زين لبيع السمك بعد تلقي الدعم.
ورغم ذلك، ظل زين متمسكاً بطموحه. ويقول بفخر: "ما يميز محلنا عن غيره هو جودة الأسماك. نحن لا نبيع أسماكاً مضى على صيدها أكثر من يومين، ونسعى دائماً لتقديم أسماك طازجة لزبائننا كل يوم."
فرصة جديدة
حصل زين على فرصة لتطوير عمله من خلال مشروع التنمية المستدامة لمصايد الأسماك في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو مشروع ممول من البنك الدولي وينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع مؤسسة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر.
من خلال مكوّن تنمية القطاع الخاص في المشروع، تم دعم654 من رواد الأعمال المحليين، مثل زين، ومنحهم الفرصة لتعزيز أعمالهم من خلال تدريبات متخصصة، وتمويل مشترك، وتحسين الوصول إلى ممارسات مستدامة تسهم في تقليل هدر الأسماك وحماية النظم البيئية البحرية.
وركّزت التدريبات على التعامل الصحي مع الأسماك، وتحسين جودة المنتجات، وتقليل الفاقد، ولضمان وصول الأسماك طازجة إلى المستهلك، وذلك بهدف تعزيز القدرات التشغيلية وزيادة القدرة على الصمود ضمن سلسلة القيمة السمكية. وكان من بين المشاريع المدعومة محل زين، الذي تم اختياره للاستفادة من دعم المشروع.
يقول زين: "عندما تم اختياري، شعرت أن هذه فرصتي لإعادة بناء حلمي."
قبل سنوات، كان محل زين الصغير، الواقع بالقرب من محطة وقود، قد دُمّر نتيجة انفجار. ويتذكر قائلاً: "خسرنا كل شيء. اختفى المحل واضطررت أن أبدأ من الصفر."
من خلال المثابرة، أعاد زين في البداية بناء بسطة بسيطة لبيع الأسماك بجهوده الذاتية ليستمر في العمل بعد الانفجار. ولاحقًا، وبفضل دعم مشروع التنمية المستدامة لمصايد الأسماك في البحر الأحمر وخليج عدن، لم يتمكن فقط من إعادة تأهيل متجره وتطويره، بل استطاع أيضًا تحويله إلى أحد أنظف وأوثق محلات بيع الأسماك في المنطقة.
عمال محل زين الجديد لبيع الأسماك يقدمون الخدمة للزبائن.
إعادة بناء مستدامة
من خلال منحة تمويل مشترك ضمن خلال مشروع التنمية المستدامة لمصايد الأسماك في البحر الأحمر وخليج عدن، ساهم زين بجزء من مدخراته إلى جانب دعم المشروع لتطوير عمله وتحقيق رؤيته.
قام بتركيب نظام طاقة شمسية للتغلب على انقطاعات الكهرباء المتكررة التي كانت تتسبب في تلف الأسماك. كما أضاف جهاز تكييف، واشترى مجمداً لحفظ الأسماك غير المباعة، وزود المحل بالأدوات اللازمة مثل السكاكين وألواح التقطيع والموازين ومعدات السلامة. كما أعاد تصميم المحل من الداخل ليصبح أكثر نظافة وجاذبية للزبائن.
ويوضح زين: "في السابق كنا نبيع الأسماك على طاولات خشبية في أسواق مليئة بالغبار، أما اليوم فأصبح لدينا محل نظيف وعصري يحافظ على طزاجة الأسماك ويوفر الراحة للزبائن."
وبفضل هذه التحسينات، تمكن زين من تقليل فاقد الأسماك بشكل كبير، حيث كان يتلف سابقاً ما بين 3 إلى 5 كيلوجرامات من كل 30 إلى 40 كيلوجراماً من الأسماك المباعة. أما الآن فقد انخفض التلف بشكل ملحوظ بفضل التبريد والتخزين الجيد، مما حسن الربحية وقلل الأثر البيئي.
ويضيف: "استطعنا تقليل الفاقد والحفاظ على الأسماك طازجة لفترة أطول وتحسين ظروف العمل، وهذا التغيير ساعدنا على جذب المزيد من الزبائن."
عامل في محل زين يقدم السمك الطازج لزبون بعد الشراء.
نمو الأعمال وخدمة المجتمع
بعد تطوير المحل وتطبيق أساليب حفظ أفضل، تضاعف دخل زين تقريباً.
لكن النجاح بالنسبة لزين لا يقتصر على الدخل فقط، بل يشمل خدمة المجتمع وتوفير الفرص. ويبين: "قمنا بتوظيف عمال جدد من الشباب الذين كانوا عاطلين عن العمل، وأصبح لديهم الآن مصدر دخل ثابت يعيلون به أسرهم."
يوفر المحل اليوم فرص عمل لـ 15 شخصاً بدوام ثابت و5 عمال مؤقتين، مما يجعله مصدراً مهماً للتوظيف في الحي. ويضيف: "أصبحنا مثل العائلة الواحدة، لكل شخص دوره، ونحن جميعاً نفخر بجودة عملنا."
اكتسب المحل سمعة طيبة من حيث الشفافية والأسعار المناسبة.ويقول زين:"نبيع الأسماك بأسعار معقولة، ونحرص على أن يتمكن زبائننا دائماً من شراء أسماك ذات جودة عالية."
ويتابع مبتسماً: "الحمد لله، الزبائن الذين كانوا يتجنبون الشراء من الباعة في الشوارع أصبحوا الآن يأتون إلى محلنا، ويقدرون النظافة وجودة المنتجات والجهد الذي نبذله في كل التفاصيل."
نموذج للأعمال المحلية المستدامة
تعكس قصة زين الهدف الأوسع لمشروع التنمية المستدامة لمصايد الأسماك في البحر الأحمر وخليج عدن، الذي يسعى إلى تعزيز الاقتصاد الأزرق في اليمن من خلال تطوير البنية التحتية وتشجيع الطاقة المتجددة وتحسين ممارسات سلسلة القيمة السمكية.
بالنسبة لزين، فإن الانتقال من بسطة متواضعة في شارع مليئ بالغبار إلى محل أسماك حديث يعمل بالطاقة الشمسية ليس مجرد تطور تجاري، بل هو قصة إصرار وشراكة وأمل.
ويختتم قائلاً: "محلي ليس مجرد مكان لبيع الأسماك، بل هو وسيلة لتوفير غذاء آمن وعالي الجودة، وخلق فرص عمل، وحماية البيئة التي تمنحنا الحياة."
يتطلع زين إلى المستقبل آملاً في توسيع نشاطه التجاري ومواصلة خدمة مجتمعه من خلال توفير أسماك طازجة وعالية الجودة.
سمك طازج في محل زين في عدن، اليمن.