من أرضٍ قاحلة إلى حقولٍ غَنَّاء: إحياء الأراضي الزراعية في قرية الغَرِقَه

مُزارعون في مديرية طور الباحة بمحافظة لحج يستعيدون أراضيهم الزراعية وسُبُلَ عيشهم بعد عقود من الجفاف والتدهور.

15 نيسان/أبريل 2026

مُزارع يتفقد محاصيله مع الضابط الميداني للصندوق الاجتماعي للتنمية، المهندس عبد الحكيم، في قرية الغَرِقَه، مديرية طور الباحة، محافظة لحج.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن 2025

على مر الأجيال، كانت مزارع قرية الغَرِقه في مديرية طور الباحة، محافظة لحج- اليمن، تمثل مصدراً حيوياً للغذاء والدخل والهوية. حيث كانت العائلات تزرع المحاصيل الأساسية مثل الذرة والدُخن والذرة الرفيعة، إلى جانب مجموعة متنوعة من الخضروات والفواكه التي كانت تُباع في القُرى المجاورة وحتى مدينة عدن. لم تكن الأرض مجرد وسيلة للعيش فحسب، بل كانت أسلوب حياة.

 

حقول قاحلة وأحلام محطمة

لقد تركت الآثار السلبية لتغير المناخ بصمتها القاسية على مر السنين؛ حيث انهارت أنظمة الري، وجفت الآبار، ومع عدم توفر الديزل بأسعار معقولة لتشغيل المضخات، تُركت الحقول قاحلة. زاد الجفاف وتدهورت التربة بتفاقم الأزمة، واجتاحت النباتات الضارة والأشواك الأراضي المهجورة.

رأى المزارعون محاصيلهم تفشل، ومعها تلاشت أحلامهم. يتذكر أنور، وهو مزارع يبلغ من العمر 50 عاماً قضاها في قرية الغَرِقَه: "قبل تدخل المشروع، كانت أراضينا قاحلة، التربة متشققة، والنباتات الشوكية تملأ المكان. فقد فقد المزارعون الأمل".

Photograph of a farmer walking along a dirt path between tall corn stalks under a sunny blue sky.

المزارع أنور، البالغ من العمر 50 عاماً، يحصد محاصيله بعد موسم مزدهر في قرية الغَرِقَه، مديرية طور الباحة، محافظة لحج.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن \ 2025

"على مدار 40 موسماً زراعياً متتالياً (أي ما يعادل 19 عاماً)، كافح مزارعون مثل أنور وأسامة — وهو أيضاً مُزارع يبلغ من العمر 52 عاماً ومحاضر جامعي — للحصول على أي إنتاج من الأرض.

يقول أسامة: "لقد حاولنا زراعة ما استطعنا، لكن المحاصيل نادراً ما كانت تنضج. لم نتمكن من إطعام عائلاتنا، ناهيك عن بيع أي شيء في الأسواق. لقد كان أمراً محبطاً."

Photograph of a person in a blue shirt holding a bundle of crops in a sunny field.

المُزارع أسامة يحمل حزمة من المحصول الطازج في مزرعته بقرية الغَرِقَه، مديرية طور الباحة، محافظة لحج.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن \ 2025

إستعادة التدفق: إعادة بناء شبكة الري

استجابةً لهذه الأزمة الطويلة، أطلق مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن، المُموّل من البنك الدولي والمُنفذ من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، تدخلاً زراعياً طموحاً يهدف إلى حماية الأرض وإحيائها من جديد.

كان الهدف هو إعادة تأهيل شبكة الري المنهارة لاستعادة الوصول إلى المياه وحماية الأراضي الزراعية، وبالتالي تعزيز قدرة المجتمع على مواجهة تغير المناخ. ومنذ ذلك الحين، أعادت قناة ري جديدة بطول 360 متراً الحياة إلى 110 هكتار من الأراضي الزراعية، ودعمت بشكل مباشر 280 مزارعاً، كما وفرت 395 فرصة عمل مؤقتة خلال مرحلة التشييد.

جانب من قناة الري المشيدة بطول 360 متراً، والتي تعمل أيضاً كجدار حماية لقرية الغَرِقَه، مديرية طور الباحة، محافظة لحج.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن \ 2025

استعادة الأرض

الأرض التي اجتاحتها الأشواك يوماً ما، أصبحت الآن تعطي مجموعة متنوعة من المحاصيل. عاد المزارعون لزراعة الذُرة والدُخن والذُرة الرفيعة، بينما يقومون أيضا بزراعة الخضروات وتجربة زراعة فواكه جديدة مثل الليمون والعنب والبطاطا.

يُقول عارف، ذو الـ 55 عاماً: "كانت الحقول قاحلة في السابق، أما الآن، فالمحاصيل تنمو من جديد. حتى أننا بدأنا نبيع منتجاتنا في أسواق طور الباحة وخارجها".

Two farmers harvesting corn in a sunlit field; one wearing a hat beside a basket.

المُزارع عارف، البالغ من العمر 55 عاماً - على اليسار - يجهز محصوله للنقل في قرية الغَرِقَه، مديرية طور الباحة، محافظة لحج.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن \ 2025

لا يزرع المزارعون الغذاء فحسب، بل يزرعون الأمل أيضاً؛ حيث عادت الأسر لتأكل من حصادها الخاص، وتبيع الفائض، مما يُعيد بناء الأمن الغذائي ويُدر دخلاً مادياً.

يعكس أسامة ذلك قائلاً: "ساعدنا المشروع على استعادة أرضنا. لقد تحولنا من مُزارعين منفردين إلى مُجتمعٍ من المُزارعين يعملون معاً مرة أخرى".

 

مجتمعٌ يُولُد من جديد

أكثر من مجرد ترميم للبنية التحتية، أعاد المشروع إيقاظ الشعور بالكرامة والقُدرة لدى المزارعين. فالأجيال الشابة- الأبناء والأحفاد الذين لم يعرفوا سوى المحاصيل التالفة- يشهدون الآن عودة الإنتاج الزراعي والهدف من الاستمرار في العمل.

ورغم أن هناك المزيد من العمل الذي يجب القيام به، مثل تأهيل الأجزاء المتبقية من القنوات وإصلاح الآبار المتأثرة، إلا أن تأثير النجاح واضحٌ تماماً.

يقول أنور: "هذه الأرض منحتنا الحياة من قبل، والآن تمنحنا الأمل من جديد". ويضيف أسامة: "لقد تحملنا عقوداً من المشقة، لكن هذا المشروع يُثبت أنه مع الدعم الصحيح، فإن التعافي ممكن".

 

حيث يترسَّخُ الأمل

يُعتبر إنشاء قناة قرية الغريقة دليلاً على ما يمكن تحقيقه عندما تلبي التدخلات المُستهدفة احتياجات المجتمع المحلي. فمن خلال التعاون والشراكة، بدأت الحقول المهجورة تُنتج الغذاء والدخل والفُرص مرة أخرى.

هذه ليست مجرد قصة إعادة تأهيل زراعي؛ إنها قصةٌ تجسد قدرة الإنسان على مواجهة الصعاب، قصة استعادة ما فُقد، والإيمان بمستقبل المجتمعات الريفية والأمن الغذائي في اليمن.

 

بتمويل ودعم من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، يتم تنفيذ مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن (FSRRP) من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وبرنامج الأغذية العالمي. ويعمل الجزء الخاص ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تحسين البنية التحتية للإنتاج الزراعي وتعزيز القدرة على التكيّف مع تغيّرات المناخ بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.