كسر حلقة الفقر في المناطق الريفية في اليمن: قصة "انتصار" كنموذج للتمكين الاقتصادي

10 مارس 2024

الحياة في اليمن صعبة، لكنها بالنسبة لامرأة تعيش في منطقة ريفية وجبلية، أصعب بكثير. إن الصراع ونقص الموارد الأساسية ومحدودية الوصول إلى الخدمات- في ظل غياب الطرق المعبدة- تجعل من الصعب على الأشخاص تحسين ظروفهم المعيشية. أما التفكير ببدء مشروع تجاري صغير- لزيادة الدخل وتعزيز القدرة على الصمود ودعم الاقتصاد المحلي- فيبقى حلماً لا يحققه سوى القليلين. 

تعرف "انتصار قراعة"، وهي امرأة تبلغ من العمر 35 عاماً، من قرية السواد في مديرية وصاب العالي الجبلية، بمحافظة ذمار، هذه المعاناة جيداً، حيث يضطر زوجها لتغيير عمله بشكل متكرر، بسبب عدم قدرته على تأمين عمل ثابت يوفر دخلاً منتظماً لعائلتهم. ومع ذلك، تقول انتصار بإصرار: "نحن لم نتوقف أبدًا عن السعي لحياة أفضل".

جبل السواد في مديرية وصاب العالي، ذمار، اليمن. مصدر الصورة.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

يواجه رواد الأعمال في المناطق الريفية عقبات صعبة، حيث يشكِّل التدريب والتمويل عنصرين أساسيين لبدء أي مشروع تجاري ناجح ومستدام. لكن غالبًا ما تكون مراكز التدريب على بعد أميال عديدة، في حين أن خدمات التمويل الأصغر غير متوفرة عادةً في المناطق النائية. أما الذين يتطلعون للحصول على مثل هذا التمويل فغالباً ما يفشلون بسبب بُعد المجتمعات الريفية عن المدن. ولمعالجة هذه المشكلة، تعمل المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، في إطار مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ ومواجهة فيروس كورونا في اليمن، على إنشاء أنظمة تمويل صغيرة في المجتمعات الريفية، من خلال إنشاء مجاميع الادخار والإقراض الريفي، والتي تعمل كمجموعات للادخار والإقراض في الريف. وهكذا بدأت انتصار رحلتها.

تقول انتصار: "أعجبت بمفهوم مجاميع الادخار والإقراض الريفي، وتركيزه على تمكين الأعضاء من بدء مشاريعهم الخاصة المدرَّة للدخل. فانضممت إلى مجموعة الترقية التي تم تشكيلها في قريتي، مما أتاح لي إطلاق مشروعي الصغير، والمساهمة في تعزيز روح التعاون والتضامن داخل قريتي."

عضاء جمعية الترقية يقومون بفتح صندوق الادخار لمعرفة مقدار الأموال التي تم جمعها.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

وتتكون كل مجموعة مما لا يزيد عن خمسة وعشرين عضوًا، مع وجود جمعيات منفصلة للنساء وأخرى للرجال. عندما يكتمل عدد الأعضاء، تُجري كل مجموعة انتخابات لاختيار رئيس للمجموعة، وأمين صندوق، ومسؤول مالي، ومسؤول استثمار. تتنقل بعدها المجموعة إلى تحديد تفضيلات أعضائها واحتياجاتهم التدريبية، والتي ستشكل لاحقاً الأساس لأعمالهم التجارية الصغيرة المستقبلية.

وتشمل الاختيارات الشائعة للمجموعات: الحصول على تدريب في الخياطة- وهو ما اختارته انتصار- بالإضافة إلى الحياكة، وتربية الماشية، وتربية النحل، وتركيب وصيانة أنظمة الطاقة الشمسية.

أعضاء جمعية الترقية يوقعون أوراق الموافقة.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

يعتمد عمل مجاميع الادخار والإقراض الريفي - التي يدعمها مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ ومواجهة فيروس كورونا في اليمن - على نموذج مالي بسيط: يساهم كل عضو بمبلغ محدد كل شهر، مما يؤدي إلى إنشاء صندوق أموال مشترك، يتم استخدامه بعد ذلك لتمويل المشاريع الفردية بالتناوب. يهدف هذا النموذج إلى إطلاق مشاريع صغيرة محددة لا تقتصر فائدتها على أصحابها ومجتمعاتهم فحسب، بل تلعب أيضًا دورًا في تنشيط الاقتصاد المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية في المناطق الريفية.

تشرح انتصار وهي تسترجع ذكريات طفولتها: "لطالما كانت الخياطة جزءاً من حياتي منذ الصغر، كنت أقوم بخياطة ملابس للدمى والأطفال. وقد ألهمتني رؤية الأطفال والنساء وهم يرتدون الملابس التي أصنعها فكرة الحصول على تدريب في الخياطة. كما أن الخياطة ليست مجرد مهارة، ولكنها أيضًا وسيلة لمساعدة عائلتي".

وإدراكًا لكون التمويل عنصرًا واحدًا فقط من عناصر نجاح الأعمال، يوفر مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ ومواجهة فيروس كورونا في اليمن أيضًا التدريب لأعضاء مجاميع الادخار، فبدأت انتصار رحلة الخياطة مع وصول مدربة خياطة إلى قريتها. تقول انتصار: "لقد علمتني المدربة كل شيء، بدءًا من استخدام شريط القياس، ومن ثم قص القماش والخياطة، وحتى التطريز. وأصبحتُ الآن قادرة على خياطة فساتين وأثواباً جميلة."

تدربت انتصار وزميلاتها على يد أمة الكريم المهدي في مجال الخياطة.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

صلت انتصار على مبلغ 200 ألف ريال يمني (حوالي 377 دولارًا أمريكيًا) كتمويل من مجموع الادخاروالإقراض التي هي عضواً فيها من أجل بدء مشروعها الصغير. تتحدث انتصار بسعادة عن تمكنها باستخدام هذا التمويل وادخار القليل من المال كل شهر، من الحصول على كل ما تحتاجه، فتقول: "لقد اشتريت ماكينة خياطة مع أدوات خياطة وأقمشة مختلفة."

وقد زاد مشروع انتصار من دخلها، مما أدى إلى تحسن ملموس في حياة أسرتها، حيث مكَّنها من توفير طعام كافٍ لأسرتها. وقد خفف المال الذي تجنيه العبء الذي يتحمله زوجها أثناء بحثه عن عمل. وتعترف قائلة: "لم يكن الأمر سهلاً، لكن الخياطة أصبحت الآن شبكة أمان لعائلتي".

انتصار تتفحص البنطلون الذي صنعته.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

يعتبر منزل انتصار بمثابة صالة عرض، فهو مليء بالفساتين والأثواب التي تصنعها، وترحب بأي شخص يرغب بالشراء منها، وتعرض له مختلف منتجاتها.

لكن طموح انتصار يتجاوز عتبة منزلها. فهي تلتقط صوراً للفساتين التي تخيطها، وترسلها مباشرة لأبناء قريتها عبر تطبيق "واتساب". وتتحدث عن ذلك قائلة: "أصدقائي وجيراني يُثنون على جودة فساتيني، ولذا فقد أصبحوا مروجين متحمسين للملابس التي أصنعها، مما شجعني على الاستمرار في المضي قدمًا. حتى أن هذا التسويق الشفهي جذب لي عملاء من القرى المجاورة."

انتصار تتفاوض مع إحدى المشتريات أثناء بيعها فستانًا داخل منزلها.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

تشيد أمينة سعد، رئيسة مجموعة الارتقاء، بنجاح انتصار، فتقول: "أعمالها مزدهرة. ويشتري منها كل أفرد القرية الملابس ويقدمون لها الدعم". وتضيف أمينة أن نجاح انتصار في هذا المشروع يشمل أيضًا سدّ فجوة قائمة في القرية منذ فترة طويلة، وتشرح ذلك قائلة: "هناك حاجة ماسة لخياطات ماهرات في قريتنا، لذا فإن وجود مشروع انتصار يعد أمرًا إيجابيًا من جميع النواحي."

يدعم المجتمع المحلي انتصار ويفخر أبناؤه بوجود خياطة ماهرة بينهم. محمد العبيدي، أحد أفراد المجتمع وأحد المستفيدين من وجود مشروع الخيّاطة انتصار، يقول: "الخياطة المحلية مناسبة تمامًا لاحتياجاتنا. فبالإضافة إلى أسعارها المعقولة- مقارنة بالملابس التي يتم شراؤها من المتاجر في المدينة- فإن الملابس التي تخيطها انتصار تتسق مع أنماطنا وتفضيلاتنا في الملابس. ولذا نحن بحاجة إلى توفر هذه المشاريع في كل قرية، وباعتبارنا أفرادًا في المجتمع، يقع على عاتقنا واجب دعم الإنتاج المحلي".

تكسب انتصار المال من بيع الملابس التي تصنعها.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن / 2024

ترى انتصار مستقبلاً مشرقاً لأعمالها، وتقول: "أحلم بافتتاح معمل الخياطة الخاص بي وتوسيع نطاق أعمالي ليشمل القرى المجاورة والأسواق المحلية". وتضيف: "أنا ممتنة للغاية لكل من ساهم في تنفيذ فكرة مجاميع الادخار والإقراض الريفي في قريتنا".

في محاولة لتمكين اليمنيين في المناطق الريفية من تحسين دخلهم وسبل عيشهم، دعم مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ ومواجهة فيروس كورونا إنشاء 254 مجاميع ادخار وإقراض ريفي في جميع أنحاء المناطق الريفية في اليمن حتى الآن. تعمل هذه المبادرة على تزويد الرجال والنساء الذين يعيشون في المناطق الريفية النائية بالمهارات اللازمة لإطلاق مشاريع مدرة للدخل، مما يسهم في تحسين ظروفهم المعيشية لأنفسهم ولأسرهم ومجتمعاتهم.

 

***

يدعم مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ ومواجهة فيروس كورونا في اليمن حزم من التدخلات الجغرافية، والتي تشمل التحويلات النقدية المراعية للتغذية وبرامج العمالة المؤقتة، بينما يحسن الوصول إلى سبل العيش المستدامة والخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية للمناطق المتأثرة بالجوع وسوء التغذية والآثار السلبية المتعلقة بتغير المناخ. يتماشى هذا المشروع مع نهج البنك الدولي لتحسين الأمن الغذائي لليمنيين.

بتمويل ودعم من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، يتم تنفيذ مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ ومواجهة فيروس كورونا في اليمن بقيمة 232.9 مليون دولار أمريكي من قبل الصندوق الاجتماعي للتنمية، ومشروع الأشغال العامة، ووكالة تنمية المُنشــآت الصغيرة والأصغر بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن.