البعد الإنساني لتنمية المهارات: تأملات حول التعلّم، والاستعداد، واليوم العالمي لمهارات الشباب

بقلم: ملك قنبيّة

16 تموز/يوليو 2026

التحقت  بسوق العمل وأنا أعتقد أنني مستعدة. فقد تخرجتُ بأعلى درجات الامتياز، واجتهدت كثيرًا، وأنجزت كل ما كنت أظن أنه مطلوب مني. لكنني سرعان ما أدركت أن الإنجاز والاستعداد ليسا الشيء نفسه. قد تفتح لك الشهادة الأكاديمية بابًا، لكنها لا تستطيع أن تؤهلك لكل نقاش، أو لكل قرار صعب، أو لكل تحدٍ غير متوقع ينتظرك بعد ذلك.  

ما ساعدني على المضي قدمًا لم يكن الشهادة وحدها، بل العادات التي بنيتها خلال رحلتي: الفضول، والمرونة، والمثابرة، والاستمرارية، و كذلك الرغبة المستمرة في التعلم، فهذه هذه الصفات في الحياة المهنية ، أصبحت لا تقل أهمية  عن أي معرفة أو مهارة تقنية اكتسبتها. 

لقد رافقني هذا الدرس طوال رحلتي العملية في أكاديمية مهارات المستقبل التابعة لمشروع المعرفة. 

عندما انضممتُ إلى المشروع قبل عام، كنت قادمة من خلفية في مجال الصحة العامة. وللوهلة الأولى، بدا هذا الانتقال غير متوقع. لكن سرعان ما اتضح الرابط بين المجالين. فالصحة العامة تهدف في جوهرها إلى تهيئة الظروف التي تمكّن الأفراد من الرفاه، وهو المبدأ نفسه الذي تقوم عليه تنمية المهارات، فهي تتمحور حول توسيع الفرص، وإزالة العوائق، ومنح الأفراد الثقة لصياغة مستقبلهم بأنفسهم.  

وخلال العام الماضي، كنت شاهدة على  نمو الأكاديمية من نحو 10 آلاف متعلم ومتعلمة  إلى أكثر من 71 ألفًا في 22 دولة. ورغم أن هذا النمو يعد إنجازًا لافتًا، فإن القصة الحقيقية تكمن ا ليست في الأرقام، بل في الأشخاص الذين تمثلهم هذه الأرقام.  

فوراء كل تسجيل  في الأكاديمية، كان هناك شخص يخصّص وقتًا للتعلم بعد ساعات العمل، أو بين المحاضرات الجامعية، أو أثناء رعاية أسرته، أو إلى جانب مسؤولياته الأخرى. وكان إتمام كل دورة تدريبية يجسد قرارًا بالاستثمار في مستقبل لا تزال معالمه غير واضحة، لكنه مستقبل يستحق الاستعداد له. 

Group of people on a stage posing in front of a blue Kitchen Connection backdrop.


كما غيّر دعم المتعلّمين الطريقة التي أنظر بها إلى تطوري الشخصي. فمن خلال دوري، تعلّمت تحليل البيانات، وإعداد التقارير، وتنسيق البرامج. وكانت تلك هي المهارات الظاهرية، تلك التي تظهر في الوصف الوظيفي ومخرجات العمل. أما التعلّم الأعمق، فقد حدث في مواضع أخرى، حين  كان أحد المتعلّمين يحتاج إلى الصبر أكثر من حاجته إلى إجابة فورية، وحين كان الإصغاء أهم من الحديث، وحين كانت التحديات  تتطلب التعاطف قبل البحث عن الحلول. 

علّمتني تلك اللحظات  أن المعرفة التقنية وحدها ليست كافية. ففي الوقت الذي يعيد  فيه الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية، والقطاعات الجديدة تشكيل الطريقة التي نعيش ونعمل بها، تصبح قدرتنا على التواصل، والتكيّف، والتعاون، والتفكير النقدي أكثر أهمية من أي وقت مضى. 

تعكس الاتجاهات العالمية هذه الحقيقة. فبحسب تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، سيتغير ما يقرب من أربعين  بالمائة من المهارات التي تمتلكها القوى العاملة اليوم بحلول عام 2030، في حين سيحتاج ستة من كل عشرة عاملين إلى التدريب أو إعادة التأهيل المهني. وفي الوقت نفسه، يشهد التعلّم في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي نموًا متسارعًا حول العالم. وتوضح هذه الأرقام حجم التحولات المتسارعة، لكنها لا تروي القصة كاملة. فالأثر الحقيقي يبدأ بعد أن يكتسب الإنسان مهارة جديدة. 

لا يتوقف أثر المهارة عند الشخص الذي يكتسبها، بل يمتد إلى بيئات العمل، والأسر، والمجتمعات. فهي تخلق فرصًا، وتسهم في حل المشكلات، وتلهم الآخرين للتعلّم. كما يمتد أثرها بطرق يصعب، في كثير من الأحيان، قياسها. و قد لمست هذا المعنى بوضوح خلال قمة المعرفة 2025، عندما التقيت للمرة الأولى بمتعلمين كنت أعرف أسماءهم منذ أشهر من خلال الرسائل، وتقارير التقدم، واستمارات التسجيل. 


لقد حوّل لقائي بلؤي، وسيندا، وخيون، وحيدر، وغيرهم كثيرين، أسماء كنت أراها على الشاشة إلى أشخاص حقيقيين. فقد كانت رحلة كل منهم مختلفة، فبعضهم وظّف مهاراته الجديدة للإسهام في تطوير السياسات العامة، بينما أطلق آخرون مشاريعهم الخاصة، أو أحرزوا تقدمًا في مسيرتهم المهنية، أو أسهموا في دعم مجتمعاتهم. وما جمع بينهم لم يكن ما تعلموه فحسب، بل ما اختاروا أن يصنعوه بتلك المعرفة. وهذا هو الأثر المتنامي للتعلّم؛،إذ يبدأ بشخص واحد، لكنه نادرًا ما يتوقف عنده. وهذا هو ما تعنيه تنمية المهارات بالنسبة لي. 

يذكّرنا شعار اليوم العالمي لمهارات الشباب لهذا العام، "لمهارات من أجل مستقبل مشترك"، بأن المهارات لم تعد تقتصر على تعزيز فرص العمل فحسب، بل أصبحت وسيلة لتمكين الأفراد من مواكبة التغيير، والإسهام في مجتمعاتهم، والمشاركة في بناء مجتمعات أكثر شمولًا وقدرة على الصمود. ويذكرني المتعلّمون الذين أعمل معهم كل يوم بأن التعلّم ليس محطة نصل إليها ثم تنتهي، بل رحلة نواصلها باستمرار. 

مع انتقالي من متدربة إلى متطوعة في الأمم المتحدة ضمن مشروع المعرفة، أدركت أن النمو لنادراً ما يٌقاس  بإنجاز واحد أو خطوة فارقة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا من خلال قرارات صغيرة، أن تظل متعطشاً للتعلم، وتتقبل حالة عدم اليقين، وتواصل المضي قدمًا.  

وإذا كان هناك درس واحد أود أن أشاركه مع الشباب، فهو: لا تنتظر حتى تشعر بأنك مستعد تمامًا. ففي كثير من الأحيان، لا يأتي الاستعداد إلا بعد أن تخطو الخطوة الأولى.  

وعلينا أن نفتخر بما حققناه، ولكن لا نجعل منه  خط النهاية. فالمستقبل لن يكون من نصيب من ييظنون أنهم على معرفة بكل شيء، بل من لا يتوقفون أبدًا عن التعلّم. 

ملك قنبية هي متطوعة في برنامج متطوعي الأمم المتحدة ، وتعمل ضمن مشروع المعرفة التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي  وبفضل خلفيتها في مجال الصحة العامة، تشغل منصب مساعدة في تنمية المهارات، حيث تدعم أكاديمية مهارات المستقبل، إلى جانب مبادرات استراتيجية أخرى تسهم في تعزيز تنمية المهارات في الدول العربية وخارجها.