الحاجة الملحة الى حلول مبتكرة
العنف الميٌسر تكنلوجيا ضد النساء والفتيات
14 كانون الأول/ديسمبر 2025
سندس عباس
مسؤولة تمكين المرأة
منذ عقود والعالم يستذكر ويذكر باهمية الحد من ظاهرة العنف ضد النساء والفتيات ويطور اليات ومناهج الحماية ومنهجيات الوقاية بناء على مئات ان لم اقل الاف الدراسات والبحوث والتقارير التي تستكشف انواع هذا العنف واشكاله وتدرس جذوره، بالاضافة الى العديد من الجهود الوطنية والدولية في وضع الستراتيجيات وتطوير السياسات ولكن للاسف مازال العنف ضد النساء والفتيات يعيد انتاج نفسه ويزيد بشاعته وقسوته وتختلط ادواته في الحيز الخاص والعام مستهدفا مختلف شرائح النساء فلم تنجو الطفلات ولا النساء ذوات الاعاقة ولا حتى المسنات، ليمتد الى ماهو ابعد من الارض ويغطي الفضاء الرقمي ولتوظف التكنلوجيا في تيسير العنف ضد النساء والفتيات الى درجة مقلقة تصل حد القتل غير المعلن، فهل تسير التكنلوجيا ضد النساء بما تيسره من اشكال العنف لتجعلنا امام جوانب مبهمة بكل مايحيط بهذه الظاهرة، لنقر بالحاجة الى الفهم المعمق ولتدارس تفوق اثرالتكنلوجيا السلبي عن ايجابياتها التي لاتعد ولاتحصى، لانه ليس ذات العنف بأشكاله وانواعه الذي عرفته الوثائق الدولية في القرن الماضي.
منذ سنوات وجهود برنامج الامم المتحدة الانمائي متواصلة بشكل حثيث بتدارس اليات واطر العمل التي تحد من ظاهرة العنف وتستأصل جذوره من خلال كافة برامجه ومشاريعه مؤكدا على اهمية عدم تبني النماذج الجاهزة والاحكام المسبقة في فهم الظاهرة بعيدا عن النسق المحلي مركزا على دراسة الابعاد المتعددة وتطوير النهج الواقعية المبنية على الادلة، في ديسمبر 2025 نظم برنامج الامم المتحد في العراق/بغداد حوارا مع 17 من الناشطات العراقيات اللواتي يعملن ومنذ سنوات وبشكل يومي مع النساء والفتيات يقدمن الجهود والحلول البديلة التي تساعد على حماية النساء والفتيات في المدن الكبيرة والقرى الصغيرة، حيث قدمت د. عامرة البلداوي عرضا عن الكلف الاقتصادية لظاهرة العنف ضد النساء بما فيه العنف الميسر تكنلوجيا في العراق، بينما شاركت المحامية ايمان عبدالرحمن تجربة عملها في ادماج منظور الحماية عبر برامج التمكين الاقتصادي للنساء العائدات من مخيمات النزوح بينما عرضت أ. علياء الانصاري اهمية تكامل اليات الحماية الرسمية وغير الرسمية لضحايا العنف من الفتيات والنساء ، وعرضت د. بثينة المهداوي اهمية رصد وتوثيق حالات العنف. الا ان اللافت للانتباه ان العامل المشترك في المداخلات والمناقشات من قبل المشاركات هو العنف الميسر تكنلوحيا ضد النساء بوصفه فعل عنيف يُرتكب أو يُحرَّض عليه باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بما في ذلك الهواتف الذكية والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني. ويُعد هذا الشكل من العنف أحد أكثر الانتهاكات انتشاراً ضد النساء في عالمنا المعاصر، حيث يمتد أثره من الإساءة الرقمية إلى تداعيات اجتماعية ونفسية خطيرة.
وعلى الصعيد العالمي، تعرّضت 38 في المائة من النساء لأشكال من العنف الميسّر تكنولوجياً، في حين شهدت 85 في المائة من النساء هذا النوع من العنف. وأفاد تقرير صدر عام 2021 عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية بأنه خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2020، شهدت أو تعرّضت 85 في المائة من النساء حول العالم للعنف عبر الإنترنت، بينما أفادت 38 في المائة بأنهن تأثرن به بشكل مباشر. حيث تأثرت النساء في جميع القارات، وسُجِّلت أعلى المعدلات في الشرق الأوسط (98 في المائة)، وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي (91 في المائة)، وأفريقيا (90 في المائة)، بينما جاءت آسيا والمحيط الهادئ (88 في المائة)، وأمريكا الشمالية (76 في المائة)، وأوروبا (74 في المائة) في أدنى مستويات النطاق.وتواجه الفتيات الخطر بشكل مضاعف، إذ يختبرن أشكالاً من العنف الرقمي في سن مبكرة، وغالباً ما يترددن في الإفصاح عنه خوفاً من اللوم أو العقاب، خاصة مع محدودية الوعي الرقمي ، ومحدودية المعرفة بوجود البيئة المؤسسية والمجتمعية الداعمة لحماية النساء والفتيات، ان وجدت، تتخذ أشكال العنف الميسّر تكنولوجياً صوراً متعددة ولم تتوقف عند السخرية، الإهانة، ونشر الشائعات المسيئة والابتزاز والتتبع وانتحال الهوية باستخدام واستغلال صور الضحية للاحتيال وتشويه السمعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتصل الى التحرش الجنسي الرقمي.
ومع ازدياد نسب البطالة وصعوبات التنافس في سوق العمل، وارتفاع نسب الفقر والصراعات والحروب وانتشار التطرف وتفاقم اثار التغيرات المناخية واوجه اللامساواة، ما تزال غالبية الدول تفتقر إلى نصوص قانونية واضحة وصريحة تعالج العنف الميسَّر تكنولوجياً، مما يُبقي هذا المجال دون حماية كافية ويُضعف الثقة بفعالية النظم القانونية في التصدي لهذه الممارسات، بل ويمنح مجالا اكبر للمبتزين والمعنفين، الا اننا لابد ان نشير الى احراز بعض التقدم في بعض دول اميركا اللاتينية في الاعتراف بالعنف الميسَّر تكنولوجياً كشكل مستقل من أشكال العنف. وبتجريمه أو تعديل بعض القوانين ليشمل العنف الرقمي ضمن الأفعال المعاقب عليها قانوناً.
وفي ظل الفراغ التشريعي، تبرز الحاجة إلى حلول مبتكرة، بما في ذلك الاطر المؤسسية المؤهلة والمتمكنة من سرعة الاستجابة الحساسة للمحتوى الوطني او تاسيس منصات المختصة بالاستجابة للابلاغ عن حالات الابتزاز مثل منصة امين في العراق، ويبقى إدماج قضايا العنف الرقمي ضمن قوانين الحماية من العنف الأسري لضمان توفير الحماية الشاملة بديلا مهما سيكون من المفيد النظر فيه والدعوة الى تبنيه خاصة وان الجهود الوطنية لم تنجح الى الان في اصدار قانون الحماية من العنف الاسري، ومع بدايات عمل مجلس النواب المنتحب في ضوء نتائج الانتخابات 11 نوفمبر 2025، مع التركيز على حملات التوعية باهمية التغيير المجتمعي والسلوكي كشرط أساسي لفاعلية أي إطار قانوني.
كما تتوفر مجموعة من الأطر الإقليمية والدولية التي يمكن الاستفادة منها لتعزيز جهود مواجهة العنف ضد النساء في المنطقة، من بينها الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، والإعلان العربي لمناهضة جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات، والخطة التنفيذية الإقليمية لحماية المرأة العربية في مجالات السلام والأمن (2015–2030)، إلى جانب مجموعة من الأطر الأخرى ذات الصلة التي يمكن البناء عليها لتطوير مقاربات أكثر شمولية واستجابة للتحديات المتزايدة التي تفرضها البيئة الرقمية.