بعد قرن من الزمن.. مناطق جنوبي محافظة صلاح الدين يجدّدون عهد السلام
8 حزيران/يونيو 2026
"السلام لا يتحقق بالكلمات فقط، بل بأفعالنا"
بهذه الكلمات لخّص السيد حيدر إسماعيل البلداوي، قائممقام قضاء بلد ورئيس لجنة السلام المحلية، روحَ لحظةٍ تاريخية جمعت شيوخ العشائر والمسؤولين المحليين وممثلي المجتمع في قضاء بلد، بعد أكثر من مئة عام على أول اتفاق للتعايش السلمي في المنطقة.
ففي 25 أيار/مايو، اجتمع نحو 100 ممثلاً عشائرياً لتوقيع ميثاقٍ مُجدّد للتعايش السلمي، بعد مرور 101 عام على توقيع الميثاق الأصلي. وبحضور عضو في مجلس النواب، ومسؤولين من الحكومة المحلية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، شكّل الحدث رسالةً جماعية تؤكد التزام المجتمعات المحلية بالمضي نحو السلام والتماسك المجتمعي معاً.
ويقود هذا الميثاق لجنةُ السلام المحلية في بلد، حيث يرسّخ ثلاثة التزامات رئيسية تتمثل في تعزيز السلام عبر الحوار المحلي وبناء التوافق المجتمعي، وحشد الجهود المجتمعية لمنع التطرف العنيف وخطاب الكراهية، ومنع تكرار أعمال العنف التي شهدتها المنطقة خلال النزاع مع تنظيم داعش.
وشاركت في التوقيع عشائر من الدجيل، ويثرب، والإسحاقي، وعزيز بلد، والرواشد، والجزارات، وكبّان، بعد سلسلة من اللقاءات التشاورية والحوارية التي امتدت لأسابيع. وقد جمعت أكثر من عشرة اجتماعات متتالية شيوخ العشائر والسلطات المحلية، مستندةً إلى مهارات الوساطة وبناء السلام التي اكتسبها أعضاء لجنة السلام المحلية بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على مدى سنوات.
وبالنسبة للشيخ عبد الحميد الحاتمي، لم تكن أهمية المبادرة في الميثاق وحده، بل في الطريقة التي صيغ بها.
وقال: «النهج التشاوري أتاح لنا أن نعكس قيمنا وقناعاتنا في هذا الميثاق».
أما الدكتور محمد البلداوي، عضو مجلس النواب، فوصف الميثاق بأنه "أكثر من مجرد كلمات مكتوبة على الورق"، معتبراً أنه «بداية مرحلة جديدة» لتعزيز التماسك المجتمعي في محافظة صلاح الدين.
دعم الأسر العائدة إلى مناطقها
جاء توقيع الميثاق في وقتٍ لا تزال فيه العديد من الأسر تعيش واقع النزوح، بينما تتواصل عمليات العودة في مناطق مختلفة من المحافظة.
وخلال المناسبة، حرص شيوخ العشائر على تسليط الضوء على أوضاع الأسر التي ما تزال تنتظر فرصة العودة إلى ديارها.
وقال الشيخ إسماعيل الهلوب: "إنها فرصة كبيرة لدعم الأسر العائدة. فهذه الأسر ليست مذنبة ولا تحمل شراً لمجتمعاتنا."
من جانبه، أشار الشيخ عبد الأمير البياتي إلى أن المؤتمر أتاح مساحة لطرح قضايا الأسر التي ما تزال غير قادرة على العودة إلى بعض المناطق.
وعقب مراسم التوقيع، عقد شيوخ العشائر وممثلو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وقائممقام قضاء بلد اجتماعاً لمناقشة أبرز التحديات التي تواجه العائدين، واتفقوا على متابعة تنفيذ الالتزامات الواردة في الميثاق بما يضمن ترجمتها إلى نتائج ملموسة تدعم الأسر المتضررة.
وأكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن هذه المبادرة تعكس تنامي الدور المحلي في قيادة جهود بناء السلام في العراق.
وأشار ممثلو البرنامج إلى أن «التركيز الاستباقي على تنفيذ الميثاق لخدمة المجتمعات المحلية والعائدين يمثل تجربة مهمة يمكن الاستفادة منها عبر لجان السلام المحلية الـ26 التي يدعمها البرنامج».
كما أشار البرنامج إلى جهود وساطة مماثلة دعمتها لجنة السلام المحلية في قضاء حديثة بمحافظة الأنبار، في إطار الجهود الأوسع لتعزيز إعادة الإدماج وبناء السلام على المستوى المحلي.
السلام يبدأ من داخل المجتمعات
يمثل هذا الميثاق واحداً من سلسلة إنجازات تقودها المجتمعات المحلية بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مختلف أنحاء العراق.
ففي محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار وديالى وكركوك، ساهمت 26 لجنة سلام محلية في دعم عودة وإعادة إدماج أكثر من 8,515 أسرة. كما تعمل مجموعات السلام النسائية والشبابية واللجان الفرعية المعنية بمنع التطرف العنيف جنباً إلى جنب مع هذه اللجان لتعزيز الحوار المجتمعي ومنع النزاعات ودعم إعادة الإدماج المستدامة.
ويؤكد هذا الجهد أهمية اعتماد نهج متكامل لإعادة الإدماج، يقوم على بناء الثقة المحلية وتعزيز قدرات المجتمعات على تحقيق السلام، بما يهيئ البيئة اللازمة لتقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي والقانوني وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، ويساعد على ترسيخ الاستقرار طويل الأمد.
وكما قال الدكتور محمد البلداوي خلال مراسم التوقيع:
"لقد توحدنا لمحاربة داعش، واليوم نتوحد لبناء التماسك المجتمعي".
وقد حظيت عملية إعداد الميثاق بدعم كريم من حكومة إسبانيا، ونُفذت بالتعاون مع شركاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مجال التماسك المجتمعي وإعادة الإدماج، ومن بينهم الاتحاد الأوروبي، والوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي، والدنمارك، وهولندا، وإيطاليا، والوكالة الكورية للتعاون الدولي، واليابان، وصندوق الأمم المتحدة لبناء السلام، ونافذة التمويل التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.