بوارق الأمل: من عتمة النزوح إلى أنوار التمكين
18 كانون الأول/ديسمبر 2025
حين عادت "نهى جياد أحمد"، ابنة الخمسة وعشرين ربيعاً، إلى مسقط رأسها في قضاء البعاج بمحافظة نينوى، لم تجد أمامها بيوتاً مهدمة فحسب، بل وجدت أرواحاً أرهقها الانكسار. فبعد سنوات طويلة من النزوح، كانت الحياة في المخيمات قد سلبتها الشعور بالهوية، والأمل، والغاية من الحياة.
تستذكر نهى تلك الأيام قائلة: "لقد فقدنا كل شيء؛ بيوتنا، وأرضنا، وحتى أحلامنا. في المخيم، كنت أشعر أنني مجرد رقم بلا اسم، بلا كيان. كان يراودني حلم واحد: أن أعود كائناً مؤثراً له وجوده".
قبل سنوات الصراع، كانت نهى تعيش حياة بسيطة لكنها مفعمة بالرضا وسط عائلتها وجيرانها، حيث كانت تعيش أسرتها على الزراعة وتربية الماشية. كانت تطمح لأن تصبح معلمة، تزرع الإلهام في نفوس الآخرين، لكن ذاك الحلم توقف قسراً حين أجبر العنف عائلتها على الفرار.
اختبرت سنوات النزوح صمودها بكل السبل؛ فتقول: "لم تكن هناك خصوصية، ولا أمان، ولا ضياء؛ كان همنا الوحيد هو البقاء على قيد الحياة. شعرتُ وكأن عقارب الزمن قد توقفت تماماً".
وعند عودتها أخيراً إلى البعاج، كانت تحديات إعادة البناء هائلة؛ فالمدينة تحمل ندوب الدمار، والعائدون يواجهون عوائق اجتماعية وفرصاً محدودة. ومع ذلك، رفضت نهى أن تستسلم لواقعها، وقالت بعزم: "أردتُ أن أثبت أننا، نحن العائدين، قادرون على إعادة بناء حياتنا قبل بيوتنا".
جاءت نقطة التحول حين علمت عن برنامج للتدريب المهني يقيمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، بتمويل من الاتحاد الأوروبي وتنفيذ منظمة الرؤية العالمية الدولية. كانت هذه المبادرة تهدف إلى تمكين العائدين، ولاسيما النساء، عبر إكسابهم مهارات مهنية، وتوفير التوجيه، ومنح المشاريع الصغيرة.
في البداية، شعرت نهى بالتردد؛ فمجال تركيب أنظمة الطاقة الشمسية لم يكن مألوفاً للنساء. لكنها قررت خوض المغامرة، ووضعت يدها في يد قريبتها وصديقتها "خديجة" لتبدآ معاً رحلة التغيير. تقول نهى بابتسامة واثقة: "سألتُ نفسي: ولماذا لا؟ لماذا يقتصر هذا المجال على الرجال فقط؟ أردتُ أن أتحدى التوقعات، وأتحدى نفسي قبل كل شيء".
من خلال التدريب، اكتسبت نهى معرفة تطبيقية في ريادة الأعمال، وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، وإدارة المشاريع، وفنون التعامل مع الزبائن. تعلمت كيف تضع الميزانيات وتسوق لخدماتها بذكاء. والأهم من ذلك، ساعدتها جلسات الدعم النفسي والاجتماعي على التئام جراح سنوات الفقد واستعادة الإيمان بذاتها.
وتشاركنا نهى مشاعرها قائلة: "التدريب لم يعلمني إدارة العمل فحسب، بل أعاد تذكيري بهويتي. في كل يوم كنت أشعر فيه بقوة أكبر وقدرة أعظم. وللمرة الأولى منذ سنوات، رأيتُ مستقبلاً أرغبُ حقاً في الوصول إليه".
وبعد إتمام التدريب، حصلت نهى وخديجة على منحة للمشاريع الصغيرة، وأطلقتا مشروعهما الخاص لتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، لتمدا البيوت والمزارع في البعاج بالليالي المضيئة والطاقة النظيفة. وما بدأ كفكرة طموحة، سرعان ما تحول إلى عمل مزدهر يخدم مئات المستفيدين شهرياً.
تجاوز أثر هذا النجاح حدود الدخل المادي؛ فقد تغيرت نظرة المجتمع لنهى، وتغيرت نظرتها لنفسها. فبعد أن كانت تُعرف بأنها "نازحة عائدة"، أصبحت اليوم رمزاً للتمكين وصمود المرأة. تقول بفخر: "عندما بدأ الناس يتصلون بي لطلب المشورة، ويباركون لي نجاحي، أدركتُ أن شيئاً جوهرياً قد تغير. لم أعد تلك المرأة المنكسرة، بل أصبحت صاحبة عمل وقائدة في مجتمعي".
ألهمت نجاحات نهى الكثيرين، وهي الآن تشارك في الفعاليات المجتمعية وتتحدث في ورش العمل المحلية لتشجيع النساء على ملاحقة طموحاتهن، قائلة لهن: "لا تنتظرن إذناً من أحد لكي تحلمن؛ أنتنَّ قادرات على صنع المستحيل إذا آمنتنَّ بأنفسكن".
اليوم، يواصل مشروع نهى نموه، وهي تخطط للتوسع في البلدات المجاورة، وتطمح لتأسيس مركز تدريبي للنساء في مجال الطاقة المتجددة. وتختم قصتها بقولها: "هذا المشروع لم يغير حياتي فحسب، بل أعاد لي صوتي، ومعه أعاد لي مستقبلي".
إن رحلة نهى هي شهادة حية على قوة المرأة في قيادة مسيرة التعافي في العراق؛ فبكل مشروع، وبكل مجتمع، وبكل شعاع ضوء، ترسم نهى وزميلاتها طريقاً نحو الغد. لقد أصبح هذا التحول واقعاً بفضل الدعم السخي من الاتحاد الأوروبي والشراكة المستمرة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، لإعادة بناء سبل العيش، وصون الكرامة، وتمكين الإنسان في المناطق المتضررة من النزاع.