ما كان يستغرق ساعات… يُنجز اليوم بدقيقة واحدة فقط

21 كانون الأول/ديسمبر 2025
Two military personnel in green uniforms work on documents at a desk in a bright office.
الصور: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق \ مهدي السعداوي

التحول الرقمي في مركز شرطة السيدية النموذجي.

 

في ساعات الصباح الأولى، يصل مواطن إلى مركز شرطة السيدية باحثًا عن ملف شكوى قديمة. كان يتوقع انتظارًا طويلًا، وبحثًا شاقًا بين أكوام الأرشيف الورقي، كما اعتاد لسنوات. لكن هذه المرة، كانت التجربة مختلفة تمامًا. خلال أقل من دقيقة واحدة، ظهرت جميع بيانات القضية على الشاشة، واكتملت معاملته بسرعة غير مسبوقة.

 

وذكر السيد احمد سعد*:

 

"كنت أظن أنني سأقضي ساعات في المركز، لكنني أنهيت معاملتي خلال دقيقة واحدة فقط. هذا فرق كبير عمّا كان عليه الحال سابقًا".

هذا المشهد البسيط يلخّص تحوّلًا أعمق يشهده مركز شرطة السيدية النموذجي؛ تحوّلٌ نقل العمل الشرطوي من أنظمة ورقية بطيئة ومعرّضة للتلف، إلى منظومة رقمية متكاملة أعادت تنظيم الإجراءات وغيّرت تجربة المواطن من الأساس.

 

من التجربة إلى التعميم: كيف بدأ النظام؟

لم يكن هذا التحول وليد اللحظة.
فقد أُطلق نظام الأتمتة الإلكترونية لأول مرة بشكل تجريبي في العراق داخل مركز شرطة السعدون، كنقطة انطلاق لاختبار النظام وتطويره. ومع نجاح التجربة، بدأ التوسع التدريجي ليشمل مراكز أخرى.

وفي شهر حزيران/يونيو 2025، دخل النظام حيّز التنفيذ في مركز شرطة السيدية، ليصبح جزءًا من منظومة وطنية أوسع تهدف إلى تحديث العمل الشرطوي وتعزيز الشفافية وسرعة الاستجابة.

 

نظام واحد، رؤية وطنية موحدة

يعتمد نظام الأتمتة على تسجيل القضايا إلكترونيًا منذ لحظة ورودها إلى مركز الشرطة، وتُرسل هذه البيانات تلقائيًا إلى مركز المعلومات في وكالة الشرطة ومركز المعلومات في وزارة الداخلية العراقية لتظهر أمام الضباط المختصين بصورة لحظية، موضحة عدد القضايا وأنواعها ونسبها في كل مركز شرطة داخل العراق.

كما تُرفع تقارير يومية مباشرة إلى معالي وزير الداخلية، ما يعزز المتابعة الفورية واتخاذ القرار المبني على البيانات. واليوم، نحو 80٪ من مراكز الشرطة العراقية مرتبطة بالنظام، مع خطط قريبة لتغطية جميع المراكز في عموم البلاد.

 

عندما كان الورق عائقًا

لسنوات طويلة، شكّلت الدعاوى الورقية تحديًا حقيقيًا داخل مركز شرطة السيدية. البحث عن الملفات كان يستغرق وقتًا طويلًا، وكانت الأوراق التحقيقية مهددة بالتلف أو الضياع، الأمر الذي ينعكس مباشرة على سرعة الإجراءات وثقة المواطنين.

ويقول سجاد فريد، احد عناصر شعبة الأتمتة والذي يعمل كمدقق بيانات، عن تلك المرحلة قائلًا:

Two people in military uniforms using laptops in a dimly lit room.

 

"قبل التحول الرقمي كان العمل بطيئًا جدًا، والدعاوى الورقية مع مرور الوقت تصبح مهددة بالتلف أو الضياع الأمر الذي يعد تحدياً مرهقاً للموظفين والمواطنين على حد سواء."

 

لحظة التحول داخل المركز

مع إدخال النظام الإلكتروني، تغيّر أسلوب العمل داخل المركز بشكل ملموس. أصبحت البيانات تُدخل وتُدقق إلكترونيًا، وتُحدّث الإجراءات والقرارات يوميًا، ما سهّل المتابعة وسرّع إنجاز المعاملات. 

وذكرت نور حاتم كريم، والتي تعمل كمدخلة بيانات في لجنة الإنجاز:

Person in green military-style uniform stands with arms crossed before a wall of framed certificates.

 

"اليوم يكفي أن يعطينا المواطن اسمه فقط، لتظهر جميع معلومات الدعوى فورًا. النظام الإلكتروني اختصر الوقت وقلّل الأخطاء بشكل كبير." وتضيف: "هذا التحول رفع رضا المراجعين وسهّل وصول النساء إلى الخدمات، خاصة مع توفر العنصر النسوي وجميع المفاصل المعنية في مكان واحد."

 

أثر داخلي وكفاءة أعلى

لم يقتصر التغيير على تجربة المواطن فحسب، بل انعكس أيضًا على كفاءة العمل المؤسسي داخل المركز.

 

يقول حيدر ضياء الدين، موظف مدني في مركز شرطة السيدية:

Person in a blazer seated at a desk in an office with dual monitors, keyboard, and papers.

 

"البيانات تُدخل وتُدقق ثم تُرسل مباشرة إلى القيادة. بمجرد إدخال اسم المواطن، تظهر جميع تفاصيل القضية، مع تحديث يومي للإجراءات والقرارات."

 

إدارة أكثر فعالية وحماية لحقوق المواطنين

من موقعه كمدير للمركز، يؤكد العقيد خلدون غازي أن التحول الرقمي أسهم في حماية حقوق المواطنين وتعزيز المتابعة:

Uniformed official seated at a desk in an office with flags and an Arabic nameplate.

 

"أتمتة الدعاوى التحقيقية ضمنت عدم ضياع حقوق المواطنين، وأتاحت متابعة القضايا من قبل المركز والقيادات العليا بشكل مستمر." ويضيف: "هذا النظام مكّننا من تقديم خدمة أكثر شفافية وكفاءة، وساهم في رفع مستوى الأداء داخل المركز."

 

دور الشراكات في إنجاح التجربة

جاء هذا التحول ضمن توجيهات معالي السيد الوزير لتقديم أفضل الخدمات للمواطنين وضمانا للمتابعة والشفافية ومن خلال شراكة فاعلة بين وزارة الداخلية العراقية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق وتمويل سخي من حكومة الدنمارك. وأسهمت هذه الشراكة في إدخال أنظمة الأتمتة الإلكترونية، وتطوير البنية التحتية للمركز، وتهيئة بيئة خدمية أكثر أمانًا وشمولًا للمواطنين.

ويمثّل مركز شرطة السيدية اليوم نموذجًا عمليًا لدور التحول الرقمي والمدعوم بشراكات فعّالة، في تعزيز الوصول إلى العدالة، وتحسين جودة الخدمات، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات الشرطوية.

 

*تم تغيير اسم المواطن لحماية الخصوصية.