جيل جديد من المزارعين يستخدمون الطاقة الشمسية والعلم لحماية موروثهم
19 كانون الثاني/يناير 2026
لطالما كانت الزراعة في جميع أنحاء جنوب العراق الركيزة الأساسية للمجتمعات، حيث دعمت سبل العيش والثقافات والهويات عبر الأجيال. من نخيل التمر الشهير في البصرة إلى حقول القمح ومزارع الخضروات في ذي قار وميسان والمثنى، لم تكن الزراعة يوماً مجرد مهنة، بل هي إرث حي. واليوم، يواجه هذا الإرث ضغوطاً متزايدة، لكن جيلاً جديداً من المزارعين يعيد صياغة مستقبله من خلال العلم والطاقة المتجددة والممارسات الصمود أمام التغير المناخي.
موروث تحت الضغط
لعقود من الزمن، وفرت الأنظمة الزراعية التقليدية استقراراً في المشهر الزراعي في جنوب العراق. ومع ذلك، بدأت الضغوط المناخية المتسارعة في تقويض هذه الأسس؛ حيث يواجه المزارعون ندرة مزمنة في المياه، وارتفاع ملوحة التربة، وتوغل اللسان الملحي في الأنهار خصوصاً عند الذنائب، واتساع فجوات الطاقة التي تقوض الإنتاجية والاستدامة. وأصبحت ممارسات مثل الري السيحي (الفيضي)، التي كانت فعالة سابقاً، غير متوافقة بشكل متزايد مع تناقص توافر المياه وتدهور الأراضي.
وكشفت التقييمات الميدانية عن حجم التحدي؛ حيث لا يزال ما يقرب من ثلثي المزارعين الذين شملهم الاستطلاع يعتمدون على الري السيحي، بينما ظل اختبار ملوحة التربة والمياه محدوداً. وتم الاستشهاد بالقيود المالية، ونقص المعرفة التقنية، وعدم استقرار الوصول إلى الطاقة كعوائق أمام التحديث في الزراعة. كما أدى الاعتماد على وقود الديزل وإمدادات الكهرباء غير المستقرة إلى زيادة التكاليف والهشاشة. ودون تدخل في الوقت المناسب، واجهت الأنظمة الزراعية التي صمدت لقرون خطر التحول إلى أنظمة غير مستدامة.
وإدراكاً لهذه الضرورة الملحّة، أطلقت حكومة اليابان وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق برنامجاً مستهدفاً تحت مبادرة "تعزيز العمل المناخي المراعي للنزاعات والداعم للسلام في المنطقة الجنوبية ومنطقة الفرات في العراق". وتجاوز الهدف مجرد إدخال تقنيات جديدة؛ بل هدف إلى تمكين المزارعين من الانتقال نحو ممارسات منخفضة الانبعاثات وصامدة أمام تغيرات المناخ، قادرة على حماية الأرض وسبل العيش والاستقرار الاجتماعي للأجيال القادمة.
صحوة علمية متجذرة في الواقع المحلي
بدأ التحول بالدليل العلمي. فقبل التنفيذ، أجرى المشروع استطلاعات وتقييمات للأراضي ودراسات سوقية في البصرة وذي قار وميسان والمثنى. وتمت استشارة أكثر من 250 مزارعاً لتحديد المعوقات والأولويات ونقاط الانطلاق الواقعية للتغيير. وشكلت النتائج منهجاً عملياً مخصصاً لكل سياق، صُمم لمعالجة الملوحة، وعدم كفاءة استخدام المياه، وانعدام أمن الطاقة، والاطلاع المحدود على الزراعة الذكية مناخياً.
وقد استندت رحلة العمل إلى الممارسة بدلاً من التعليم النظري فقط. ففي أواخر عام 2025، تم تقديم تدريبات مكثفة لمدة ثلاثة أيام في المحافظات الأربع، شارك فيها أكثر من 185 مزارعاً في نهج "التعلم بالممارسة". وحُولت المفاهيم المجردة إلى مهارات ملموسة يمكن تطبيقها فوراً في الميدان.
وعزز المزارعون قدرتهم على إدارة الأراضي في ظروف الملوحة وندرة المياه من خلال تحسين التصريف، وزيادة كفاءة الري، واتخاذ تدابير للحد من تدهور التربة. كما عمقوا فهمهم لكيفية تأثير الملوحة على المحاصيل، واستكشفوا الأصناف المتحملة للملوحة، وتعلموا كيف يمكن لإدارة المياه المدروسة أن تستعيد الإنتاجية بدلاً من استنزاف الموارد.
ولأول مرة بالنسبة للعديد من المشاركين، أصبح العلم ملموساً؛ حيث اختبر المزارعون تربتهم ومياههم بأنفسهم، وقاسوا الموصلية الكهربائية، وتعلموا من خلال تبادل الخبرات مع أقرانهم. وانتقلت المعرفة من نظرية بعيدة إلى اتخاذ قرارات عملية مدمجة في العمل الزراعي اليومي. كما امتد التدريب ليشمل إدارة الثروة الحيوانية، حيث أظهرت ممارسات التغذية المحسنة، والتعامل مع السماد، وتدابير النظافة كيف ترتبط صحة الحيوان وحماية البيئة والإنتاجية ببعضها البعض.
من المعرفة إلى الثقة والعمل
كانت النتائج فورية وقابلة للقياس، حيث أظهرت تقييمات ما قبل وما بعد التدريب مكاسب كبيرة في المعرفة التقنية في جميع المحافظات. والأهم من ذلك، تُرجمت هذه المكاسب إلى ثقة؛ فقد أبلغ المزارعون عن قدرة أقوى على فهم وتكييف وتطبيق الممارسات الحديثة ضمن قيودهم الخاصة.
وفي البصرة وذي قار وميسان والمثنى، أعرب غالبية المشاركين عن استعدادهم لتنفيذ ممارسة جديدة واحدة على الأقل فوراً، بينما أشار آخرون إلى نية قوية لاعتماد التغييرات في المدى القريب. وحظيت جدولة الري المحسنة، وأنظمة الري الحديثة، وحلول الطاقة المتجددة بالأولوية القصوى لاستمرار الانتاج.
وفي قلب هذا التحول كان هناك التزام متزايد بالطاقة الشمسية؛ حيث حدد المزارعون ضخ المياه بالطاقة الشمسية كبديل حيوي لشبكات الكهرباء المتقطعة ووقود الديزل المكلف. ووفرت الطاقة الشمسية الاستقرار، وخفضت الانبعاثات، وكانت ميسورة التكلفة على المدى الطويل. وعند اقترانها بإدارة الري المحسنة، ستمكن المزارعين من تقليل فقد المياه، واستقرار الإنتاج خلال مواسم الذروة، وحماية التربة والدخل من تقلبات المناخ والطاقة.
حماية الموروث من خلال التكيف
إن هذا الانتقال من الوعي إلى العمل يشير إلى ظهور جيل جديد من حماة الزراعة في جنوب العراق. فالمزارعون لم يعودوا مجرد متأثرين بتغير المناخ، بل أصبحوا بشكل متزايد فاعلين في التكيف، مستخدمين العلم والطاقة المتجددة للحفاظ على موروثهم من خلال التحول بدلاً من المقاومة.
ومن خلال ترسيخ المعرفة التقليدية في الأدلة العلمية ومزاوجة ممارسات الأجداد بالأدوات الحديثة، يقوم هؤلاء المزارعون بأكثر من مجرد استدامة الإنتاج؛ إنهم يحمون أسلوب حياة. وباتت الحقول مساحات للتجريب والصمود، حيث تحل الطاقة الشمسية محل عدم اليقين، ويسترشد الري بالبيانات بدلاً من التخمين.
أن الموزارعين لا يتحملون أزمة المناخ فحسب، بل يشكلون نتائجها ويضمنون بقاء الموروث الزراعي في جنوب العراق منتجاً وصامداً وحياً للأجيال القادمة.
نبذة عن المشروع:
يُنفذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق مشروع "تعزيز العمل المناخي المراعي للنزاعات والمُعزز للسلام في جنوب العراق ومنطقة الفرات" ضمن برنامج "الوعد المناخي - من التعهد إلى الوقع والتأثير"، بدعم من حكومة اليابان من خلال الميزانية التكميلية اليابانية. ويستجيب المشروع لتزايد الضغوط المناخية في جنوب العراق، لا سيما ندرة المياه، وملوحة التربة، وتدهور الأراضي، وانعدام أمن الطاقة، مما يُهدد سُبل العيش الزراعية، والأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات. وتُشجع هذه المبادرة حلولاً قابلة للتطبيق على نطاق واسع وقائمة على الأدلة، تربط بين القدرة على التكيف مع تغير المناخ وبناء السلام والتنمية المستدامة.
نبذة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "الوعد المناخي":
ترى اليابان أن أزمة المناخ تُشكل تهديداً للبشرية جمعاء، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تعمل الدول لتسريع وتيرة عملها المناخي.
في عام 2021، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مرحلة جديدة من برنامج "الوعد المناخي - من التعهد إلى الوقع والتأثير"، بهدف ترجمة أهداف المساهمات المحددة وطنياً إلى إجراءات ملموسة. وتُعد اليابان أكبر داعم لهذه المرحلة، وتنضم إلى شركاء قدامى مثل ألمانيا، السويد والاتحاد الأوروبي وإسبانيا وإيطاليا وشركاء جدد مثل المملكة المتحدة وبلجيكا وأيسلندا والبرتغال لتسريع هذه الجهود.