رحلة محمد من النزوح إلى احتراف الطبخ

14 ديسمبر 2025
Man with crossed arms in an orange shirt on a street with cars and buildings behind.
الصور: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق / مهدي السعداوي

في خضم الأيام الصعبة التي أعقبت سيطرة تنظيم داعش، اضطر محمد عدنان البالغ من العمر 37 عاماً أن يغادر هو واسرته مسقط رأسه في صلاح الدين لا يحمل معه أي شيء سوى الأمل في النجاة وبداية جديدة. تنقلت أسرته بين مخيم الهول ثم مخيم الجدعة، حيث قضوا قرابة ثلاثة أشهر في خيام لا تتسع لهم. هناك، تشاركوا أحلام العودة وبناء مستقبل أفضل، في خضم هذه الظروف الصعبة، وجد محمد بارقة أمل خاصة به عندما تزوج من فتاة كان قد التقى بها في المخيم، ليُشكل معها عائلته الصغيرة.

 

العودة محفوفة بالتحديات

بعد انتهاء الأزمة، عاد محمد وعائلته إلى منطقتهم الأصلية في صلاح الدين، ليجدوا واقعاً مريراً وصعباً للغاية، لقد كانت التحديات هائلة، فإلى جانب غياب فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، كان منزلهم وكل ماضيهم في المنطقة قد تضرر أو تدمر، مما جعل الحياة أشبه بالمستحيلة تقريباً، بعد تفكير طويل وصراع داخلي، اتخذ محمد قراراً صعباً: الانتقال مع زوجته وأطفاله الثلاثة إلى كركوك، بحثاً عن فرص أفضل ومستقبل أكثر استقراراً، بينما قرر والداه واخوته البقاء في منطقتهم في صلاح الدين .

 

بداية جديدة من خلال التدريب

في كركوك، لم يستسلم محمد للتحديات، فسرعان ما انضم محمد إلى برنامج تدريبي متخصص يقدمه برنامج التماسك المجتمعي التابع لـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، من خلال هذا البرنامج، استطاع محمد أن يتعلم مهارات المحاسبة المالية اللازمة لإدارة المشاريع الصغيرة، واكتسب معرفة عملية في تنظيم المشاريع وأساليب التسويق الفعال. يقول محمد: "التدريب فتح لي آفاقاً جديدة، وأعطاني الثقة لبدء مشروعي الخاص وتحقيق الاستقلال المادي".

 

طموح لا يعرف الحدود

كان لدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دورٌ أساسيٌّ في مساعدة محمد على تجاوز التحديات الهائلة التي واجهته، وذلك من خلال توفير التدريب على إدارة الأعمال.

بعد إتمام التدريب بنجاح، حصل محمد على منحة مالية حوّلت حلمه إلى حقيقة. وبفضل شغفه وخبرته في الطبخ، افتتح محمد مطعماً خاصاً به يقدم أشهى الأطباق العراقية، متخصصاً في المشويات كالكباب والتكه. بجهده الدؤوب والتزامه بالجودة، استطاع أن يكسب ثقة الزبائن في وقت قصير.

يواصل اليوم محمد العمل على تطوير مشروعه، ويحلم بتوسيع نطاق عمله ليغطي مختلف أنحاء العراق. "هذه البداية فقط"، يقول محمد بنبرة مفعمة بالأمل، "أطمح أن يصبح المطعم من أشهر مطاعم المشاوي في البلاد".

Bearded man sits on blue steps outside a building, wearing an orange shirt and gray pants, smiling.

 

تحديات متواصلة وأمل بالمستقبل

رغم النجاح الذي يحققه محمد، إلا أنه هو وزوجته ما زالا يواجهان تحديات تتعلق بالوثائق الرسمية كالهويات و متمسكات اخرى بعد معاناة طويلة، تمكّن محمد مؤخراً من تصديق عقد زواجه الذي تم في المخيم، وهو الآن يسعى جاهداً للحصول على هويات تعريفية لأطفاله استعداداً لالتحاقهم بالمدرسة عندما يبلغون السن المناسب.

حيث لا تزال مسألة الحصول على بطاقات الهوية الوطنية تُشكّل تحديًا كبيرًا في العراق، لا سيما للعائلات النازحة بسبب النزاع. فبدون هوية رسمية، يعجز الكثيرون من الحصول على الخدمات العامة الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي، وهذا لا يُفاقم ضعفهم فحسب، بل يُبطئ أيضًا اندماجهم في المجتمعات التي لجأوا إليها.

 

حول المشروع

يُنفَّذ هذا المشروع من خلال برنامج التماسك المجتمعي في العراق التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبالشراكة مع منظمة الإغاثة الإنسانية، وبدعم مالي من الحكومة الامريكية والاتحاد الأوروبي وإيطاليا والوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي وهولندا، حيث يواصل مشروع محمد نجاحه ونموه بشكل مستقل، مما يعكس الأثر الدائم للدعم المُقدَّم

يأتي دعم محمد ضمن مشروع أوسع نطاقاً يدعم جهود الحكومة العراقية في إعادة إدماج العائدين من مخيم الهول وأفراد المجتمع المضيف الأكثر ضعفاً. يقوم المشروع على تقديم الدعم الاجتماعي والاقتصادي، وخدمات الصحة النفسية، وأنشطة التماسك المجتمعي. وقد تم حتى الآن تدريب 4,738 مستفيداً في دورات مهنية وتطوير أعمال، وتزويدهم بمعدات العمل أو منح للمشاريع الصغيرة.

تمثل قصة محمد نموذجاً ملهماً للصمود والتحول، تثبت أن الإرادة القوية والدعم المناسب يمكن أن يحولا التحديات إلى فرص، والنزوح إلى بداية جديدة مليئة بالأمل والنجاح.