من النزوح إلى الإبداع: نماذج من الأمل والإصرار
22 ديسمبر 2025
تُعدُّ مرحلة عودة النازحين وإدماجهم مجدداً في المجتمع من المراحل بالغة الأهمية، نظراً لتأثيرها المزدوج على العائدين أنفسهم من جهة، وعلى المجتمعات المضيفة من جهة أخرى. تواجه العائلات العائدة تحديات جسيمة متشابكة، تتراوح بين الصعوبات المادية المتمثلة في ندرة فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، وصولاً إلى التحديات الاجتماعية والمعيشية كفقدان المسكن بعد تدمير منازلهم بالكامل، وانهيار البنى التحتية لحياتهم السابقة التي استقروا فيها لسنوات.
وتأتي مشكلة الوثائق الرسمية على رأس هذه التحديات، حيث لا تزال مسألة الحصول على بطاقات الهوية الوطنية تشكل عائقاً كبيراً في العراق، لا سيما للعائلات التي نزحت بسبب النزاع. فالهوية ليست مجرد ورقة رسمية، بل هي مفتاح الوصول إلى الحقوق الأساسية. فبدونها، يعجز الكثيرون عن الحصول على الخدمات العامة الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي، وهو ما لا يزيد من ضعفهم فحسب، بل يعرقل أيضاً عملية اندماجهم في المجتمعات التي لجأوا إليها، مما يطيل أمد معاناتهم ويجعل من حلم العودة إلى الحياة الطبيعية هدفاً بعيد المنال.
انطلاقاً من هذه التحديات، يُنفّذ مشروع دعم إدماج العائدين بالشراكة بين برنامج التماسك المجتمعي التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق ومؤسسة الإغاثة الإنسانية بهدف تمكين الأسر الأكثر ضعفاً عبر توفير دورات مهنية متخصصة وبرامج تطوير الأعمال، إضافة إلى تزويدهم بمعدات العمل أو منح مالية للمشاريع الصغيرة، ولا يقتصر الدعم على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يشمل أيضاً تقديم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، في مسعى لبناء مجتمعات متماسكة وقادرة على تجاوز آثار النزاع، ومن قلب هذه الرحلة التأهيلية، انبثقت قصص النجاح التي نرويها اليوم من محافظة كركوك.
ابتسام حمد: خيوط الأمل تُحاك مستقبلاً جديداً
في رحلة بحثها عن الاستقرار، انتقلت ابتسام حمد (41 عاماً) من صلاح الدين إلى مخيم الهول ثم إلى مخيم الأمل، لينتهي بها المطاف في كركوك حيث استقرت مع أسرتها المكونة من ستة أولاد وبنت. وبعد سنوات من الانتظار، تمكنت ابتسام مؤخراً من حل جزء من مشكلاتها المالية والاقتصادية، مما ساعد على فتح الابواب أمامهم للاندماج المجتمعي بشكل أفضل، مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر استقراراً.
تقول ابتسام: "ابنائي يعملون في البناء والزراعة، لكن العمل ليس متوفراً دائماً، لذلك قررت أن أتعلم الخياطة لأساعد في إعالة الأسرة".
خلال دورة تدريبية في الخياطة ينفذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع منظمة الإغاثة الإنسانية، تحولت ابتسام من شخص لا يعرف شيئاً عن الخياطة إلى خياطة ماهرة في مجال خياطة ملابس النساء والاطفال. تطمح اليوم إلى ممارسة الخياطة من منزلها وتعليم ابنتها هذه المهنة، خصوصاً وأن منطقتهم الزراعية تشهد طلباً متزايداً على خدمات الخياطة.
تضيف ابتسام بحماس: "بفضل هذا التدريب، أصبحت أجيد مهنة أستطيع أن أكسب منها الزرق بشكل مستقر، وأطمح إلى تعليم ابنتي كذلك، اشعر بالفخر والامل لمستقبلي ومستقبل اولادي ".
مراد صابر: طاقة شمسية تنير مستقبلاً واعداً
أما مراد صابر إسماعيل (43 عاماً) من الحويجة في كركوك ( من المجتمع المضيف)، خريج الإعدادية الصناعية - قسم الكهرباء، فقد وجد في مراكز التدريب المتخصصة في تركيب وصيانة منظومات الطاقة الشمسية بوابة نحو مستقبل أفضل.
يقول مراد عن تجربته: "أضافت هذه الورشة الكثير لي، فأصبحت اليوم أكثر إدراكاً لعمل المنظومات الشمسية وكيفية التعامل معها بمهنية".
مراد يتطلع اليوم بشغف للبدء بمشروعه الخاص، ويأمل أن يحقق من خلاله الاستقلال المالي ويؤمن دخلاً مستقراً لعائلته.
ولم يتأخر مراد في تحقيق حلمه؛ فقد بدأ مؤخراً بجمع مبلغ مالي من خلال عمله الحالي كمهني في الورش، وذلك بهدف استئجار ورشة خاصة به في منطقته. وهو يخطط الآن، وخصوصاً بعد الدورة التدريبية، للتفرغ لتركيب وصيانة المنظومات الشمسية في منطقته وبدء عمله الخاص في أقرب وقت ممكن.
ويختتم مراد حديثه قائلاً: "أنا في انتظار الفرصة المناسبة لافتتاح ورشتي، سأعمل جاهداً ومثابراً على بناء مستقبل أفضل لي ولعائلتي، معتمداً على مهاراتي الجديدة".
تمكين المجتمعات عبر التدريب
تكتسب هذه التدريبات أهمية قصوى كونها تمثل جسراً لتمكين الأفراد من التأقلم والاندماج، حيث لا يقتصر هدف هذه البرامج على تزويد العائدين من المخيمات والمجتمع المضيف بالمهارات التقنية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز الأواصر الاجتماعية وتحقيق الاستقرار، وإيجاد فرص عمل كريمة وسبل عيش مستدامة للجميع. ولضمان الانطلاق الفوري في العمل، تتجاوز هذه التدريبات الجانب النظري لتشمل تزويد المتدربين بـالمعدات الأساسية لمشاريعهم (مثل أدوات صيانة المنظومات الشمسية ومعدات الخياطة)، مما يجعلهم مُهيئين تماماً للبدء بأعمالهم الخاصة وبناء مستقبلهم، وفي الوقت ذاته، تعزز عملية الاختلاط والتفاعل مع المجتمعات المضيفة عملية التماسك والتعايش المشترك.
حول المشروع
يدعم مشروع المصالحة المجتمعية وإعادة الإدماج للعراقيين العائدين من مخيم الهول السوري جهود الحكومة العراقية لتلبية احتياجات إعادة الإدماج والمصالحة للعائدين من مخيم الهول والفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع المضيف، حيث يوفر المشروع الدعم الاجتماعي والاقتصادي، وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، وأنشطة بناء السلام المجتمعية، مع التعاون مع الجهات الحكومية لتعزيز الآليات الوطنية للمصالحة وإعادة الإدماج المستدام.
تسلط هذه القصة الضوء على استدامة نتائج سبل العيش التي تحققت في إطار مشروع الممول من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي وإيطاليا والوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي وهولندا، حيث يواصل مشروع فرح ازدهاره ونموه بشكل مستقل، مما يعكس الأثر المستدام للدعم المقدم.
حتى الآن، استفاد 4,738 مستفيد من التدخلات الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك توفير أدوات مهنية ومنح للمشاريع الصغيرة، وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.
تمثل قصص ابتسام ومراد نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، وإثباتاً لقدرة الإرادة الإنسانية على صنع مستقبل أفضل.