لقاء واحد... وحوار واحد... وخطوة أقرب نحو العودة إلى الديار
29 تموز/يوليو 2026
في غرب الأنبار، بدأت رحلة بالتردد وانتهت بالأمل. فمن خلال الحوار، وبناء الثقة، والحلول التي يقودها المجتمع المحلي، تمضي المجتمعات بخطى ثابتة نحو المصالحة والعودة الآمنة للأسر النازحة.
لسنوات طويلة، حملت قرية سعدة في قضاء القائم إرثاً ثقيلاً من آثار النزاع. فقد نزحت الأسر، وتمزقت الروابط المجتمعية، وأصبحت الثقة من أصعب ما يمكن استعادته. فبينما يمكن إعادة تأهيل المنازل وإصلاح البنية التحتية، فإن المصالحة تتطلب ما هو أكثر من ذلك؛ إنها تحتاج إلى الإصغاء، والشجاعة، والاستعداد لرؤية الآخر بعيداً عن إرث الماضي.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت هذه الرحلة خطوات مهمة نحو الأمام.
فبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبقيادة مستشارية الأمن القومي العراقية، اجتمع ممثلو الحكومة والسلطات المحلية والقيادات العشائرية وممثلو المجتمع المحلي في سلسلة من جلسات المصالحة والزيارات الميدانية والحوارات المجتمعية، بهدف دعم العودة الطوعية والآمنة والكريمة للأسر النازحة. وجاءت هذه الجهود استكمالاً لورشة عمل للمصالحة جمعت ممثلين عن المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والقيادات العشائرية والنساء العائدات وممثلي المجتمع المحلي، للخروج بحلول عملية تعزز التماسك المجتمعي وإعادة الإدماج المستدام.
وقد أثبتت هذه الأيام أن إعادة بناء الثقة لا تتحقق في اجتماع واحد، بل تُبنى حواراً بعد حوار، وأسرة بعد أسرة.
الاستماع قبل اتخاذ القرار
كانت إحدى أبرز المحطات خلال زيارة ميدانية إلى مركز الأمل، حيث التقى وفد من شيوخ العشائر وممثلي المجتمع المحلي بالنساء والأطفال المنحدرين من قرية سعدة الذين لم يتمكنوا بعد من العودة إلى ديارهم.
كان من أبرز لحظات هذه العملية قرارٌ اتُخذ خلال مؤتمر الحوار الذي عُقد في أربيل مطلع شهر مايو، حيث اتفق المشاركون على أن يقوم زعماء القبائل ومختارو القرى بزيارة مركز الأمل للقاء النساء والأطفال من قرية سعدة الذين لم يعودوا إلى ديارهم بعد. وقد مثّلت هذه الزيارة خطوةً لبناء الثقة، إذ أتاحت لقادة المجتمع فرصة التواصل المباشر مع العائلات، والاستماع إلى قصصهم، وفهم التحديات التي ما زالوا يواجهونها، والمساهمة في بناء الثقة اللازمة لتحقيق المصالحة.
وبدلاً من مناقشة أوضاعهم من بعيد، جلس أعضاء الوفد مع كل أسرة على حدة، واستمعوا إلى تجاربها ومخاوفها وآمالها. تحدثت الأسر بصراحة عن مخاوفها الأمنية، والنزاعات المتعلقة بالممتلكات، ونقص الوثائق المدنية، وصعوبة الحصول على سبل العيش، وحالة عدم اليقين التي تحيط بعودتها. وفي الوقت نفسه، أكدت رغبتها الصادقة في العودة الآمنة والمساهمة مجدداً في بناء مجتمعها. وقد تابع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عملية التقييم لضمان تنفيذها بشفافية وبما يحفظ كرامة كل أسرة.
وبالنسبة لكثير من المشاركين، كانت تلك هي المرة الأولى التي يستمعون فيها مباشرة إلى قصص أولئك الذين شكلت سنوات النزوح حياتهم.
حين غيّر لقاء واحد كل شيء
كان من بين أعضاء الوفد مختار إحدى القرى، الذي جاء إلى الزيارة وهو يرفض بشكل قاطع عودة الأسر المتبقية.
فمثل كثيرين، كانت مواقفه نابعة من الذكريات المؤلمة التي خلفتها سنوات سيطرة تنظيم داعش على المنطقة، وما رافقها من خسائر وألم عميق.
لكن ما حدث لاحقاً كان غير متوقع.
فخلال إحدى المقابلات الفردية، نادى المنظمون اسم إحدى النساء.
توقف المختار فجأة.
وقال بصوت هادئ:
"دعُوها تدخل... أنا أعرفها جيداً."
دخلت المرأة.
لقد كانت شقيقته.
منذ أكثر من سبع سنوات، فرّقتهما الحرب. فبعد مقتل زوجها خلال فترة سيطرة تنظيم داعش، وجدت نفسها في رحلة نزوح طويلة، بينما انقطعت أخبارها عن أسرتها بالكامل.
وحين التقيا...
احتضن كل منهما الآخر والدموع تملأ أعينهما.
في تلك اللحظة، لم تعد القضية تتعلق بقوائم العودة أو بالموافقات والاعتراضات، بل أصبحت قصة امرأة فقدت زوجها، وأطفال نشأوا بعيداً عن أهلهم، وأسرة اجتمعت أخيراً بعد سنوات من الفراق.
كان مشهداً ترك أثراً عميقاً في نفوس جميع الحاضرين.
لم يكن اتفاقاً سياسياً.
ولا قراراً قانونياً.
بل كان لحظة إنسانية خالصة.
وفي طريق العودة، لم يعد المختار ينظر إلى القضية بالطريقة نفسها.
فقد بدأ يميز بين من ارتكب الجرائم، وبين النساء والأطفال الذين كانوا هم أيضاً ضحايا للنزاع والعنف والنزوح.
وعندما عاد إلى قريته، نقل هذه التجربة إلى أبناء عشيرته وقادة المجتمع المحلي، داعياً إلى التعامل مع ملفات العودة بمنظور يقوم على العدالة والرحمة والإنسانية.
فأحياناً، تبدأ المصالحة بمجرد أن ينظر الإنسان في عيني الآخر.
حين يقود المجتمع طريق المصالحة
وبعد أيام قليلة، اجتمع شيوخ العشائر وممثلو القرى والجهات الحكومية وأبناء المجتمع المحلي مرة أخرى، هذه المرة في مضيف الشيخ إياد سطام، شيخ عشيرة البو محل، لمواصلة الحوار.
كانت النقاشات صريحة.
واتفق الجميع على أن النزاعات المتعلقة بالمنازل والأراضي والممتلكات لا تزال تمثل أحد أكبر العوائق أمام عودة الأسر.
لكن بدلاً من أن تتحول هذه التحديات إلى سبب لتعطيل العودة، خرج المجتمع المحلي بحلول عملية يقودها بنفسه.
فتم الاتفاق على تشكيل لجنة مجتمعية تتولى حصر الممتلكات المشغولة، والتحقق من الملكيات، ورفع التوصيات اللازمة لدعم الإجراءات القانونية الخاصة بإعادة الحقوق إلى أصحابها. كما جرى تشكيل لجنة فنية تضم مهندسين وخبراء لتقييم قيمة الأراضي والممتلكات للأسر التي ترغب بالانتقال الطوعي، بما يضمن اتخاذ قرارات عادلة ومستنيرة. وفي الوقت ذاته، اتفق المشاركون على تأجيل عدد محدود من الحالات الأكثر تعقيداً لمزيد من الحوار، مع المضي قدماً في إجراءات عودة غالبية الأسر المؤهلة وفقاً للإجراءات الحكومية المعتمدة.
لم تكن هذه حلولاً فُرضت من الخارج.
بل كانت قرارات صاغها المجتمع بنفسه.
بناء سلام يدوم
وأكدت عملية المصالحة أيضاً أن العودة المستدامة لا تتوقف عند توفير الأمن فقط.
فقد شددت الأسر على أهمية توفير فرص كسب العيش، والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة القانونية، والوصول إلى الخدمات الأساسية. كما أظهرت الزيارات الميدانية أن معالجة الاحتياجات النفسية، وتسوية النزاعات المتعلقة بالممتلكات، واستكمال الوثائق المدنية، تمثل عناصر أساسية لضمان إعادة إدماج مستدامة.
وبالنسبة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن دعم هذه الحوارات يتجاوز مجرد تيسير الاجتماعات.
إنه يتمثل في توفير مساحات آمنة للحوار، ومساعدة المجتمعات على إيجاد أرضية مشتركة، ودعم المؤسسات العراقية والقيادات المحلية في تطوير حلول مستدامة تستند إلى الحوار وسيادة القانون.
فالسلام لا يُبنى بالاتفاقات وحدها.
بل ينمو عندما يبدأ الناس بالاستماع إلى بعضهم البعض من جديد.
وفي قرية سعدة، ذكّر لقاء غير متوقع الجميع بأن خلف كل ملف عودة أسرة، وخلف كل خلاف قصة، وخلف كل عودة ناجحة فرصة جديدة لإعادة بناء الثقة.
وأحياناً...
يكفي لقاء واحد ليغيّر وجهة نظر، ويكفي أن تتغيّر وجهة نظر واحدة، حتى يخطو مجتمعٌ بأكمله خطوة نحو مستقبل أكثر سلاماً.
يأتي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لإعادة الإدماج والتماسك المجتمعي بدعم من حكومات السويد وهولندا وإسبانيا وإيطاليا والدنمارك والاتحاد الأوروبي - أداة السياسة الخارجية.