مؤشر مدركات الفساد لعام ٢٠٢٥ في العراق: من بدء الإصلاح إلى كسب الثقة
10 شباط/فبراير 2026
د. ياما تُرابي، مدير مشروع تعزيز التحكيم ومكافحة الفساد - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق
لم يُفاجأ كثير من العراقيين بحصول العراق على ٢٨ نقطة من أصل ١٠٠ في مؤشر مدركات الفساد لعام ٢٠٢٥، إذ لطالما أثّر الفساد في كيفية تفاعل الناس مع الحكومة، مثلا عندما يتطلب الحصول على رخصة أو موافقة ما اللجوء إلى علاقات خاصة، أو عندما تتحول الخدمات المجانية إلى خدمات مدفوعة، وحين تبدو الثقة بالمؤسسات العامة هشة.
السؤال الحقيقي ليس: «هل يوجد فساد؟» بل: «ماذا تقول هذه النتيجة عن موقع البلد اليوم، وإلى أين يمكن أن يتجه؟».
غالبا ما يُساء فهم مؤشر مدركات الفساد بوصفه ترتيبا بسيطا، لكنه في الواقع “مقياس ثقة" يعكس كيف ينظرالمواطنون والأعمال التجارية والمستثمرون والشركاء الدوليون إلى موثوقية مؤسسات الدولة: هل تُطبَّق القواعد بشكل متّسق؟ وهل المساءلة حقيقية أم انتقائية؟ وهل الإصلاحات مؤقتة أم مستدامة؟
بالنسبة للعراق، يهمّ المؤشر لأنه يؤثر في قرارات مهمة. فالمستثمرون والمقرضون وشركاء التنمية يستخدمونه لتقدير المخاطر وتحديد كيفية الانخراط مع العراق: هل ستكون الاستثمارات قصيرة الأجل أم طويلة الأجل؟ مضارِبة أم إنتاجية؟ محدودة أم واسعة القاعدة؟ ومن هذا المنظور، ترسل نتيجة العراق في ٢٠٢٥ إشارة ذات دلالة: الإصلاح ظاهر، لكن الثقة في استدامته ما تزال في طور التشكل.
بدأ الإصلاح والمرحلة الأصعب قادمة
خلال السنوات الأخيرة، اتخذ العراق خطوات واضحة لتعزيز إطار مكافحة الفساد. فقد ساعدت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ٢٠٢١ - ٢٠٢٥ على مواءمة المؤسسات حول أولويات مشتركة. كما أُعدّت استراتيجية متابعة للفترة٢٠٢٥ – ٢٠٣٠ بانتظار الإقرار الرسمي، في إشارة إلى نية الاستمرار بالإصلاح إلى ما بعد دورة سياسية واحدة.
أهمية هذا الانتقال أكبر مما يبدو. فمؤشرات التصورات مثل مؤشر مدركات الفسادتتقدّم ببطء شديد تحديدا عندما ينبغي أن تتحول الخطط والإعلانات والخطوات الأولية إلى ممارسة يومية، وأن تصبح ممؤسسة وشاملة. وفي هذا السياق المتطور، يُتوقّع من مؤسسات مثل هيئة النزاهة على المستوى الاتحادي وفي إقليم كردستان العراق أن تقوم بأكثر من مجرد التحقيق في القضايا؛ بل أن تُسهم في بناء منظومة نزاهة أوسع تشمل الوقاية والرقابة والتنسيق والتعاون عبر أجهزة الدولة.
ويعكس ذلك تحولا جوهريا في التفكير: فالفساد ليس مشكلة قانونية فحسب، بل مشكلة حوكمة، ويزدهر حين تبقى السلطة بلا ضوابط، وتغدو القواعد غير واضحة، ويبدو إنفاذها غير متكافئ.
لماذا يتعثر الإصلاح غالبا ولماذا يقف العراق عند نقطة تحوّل
تُظهر التجارب الدولية أن كثيرا من البلدان تتعثر بعد اعتماد الاستراتيجيات، وقبل أن تُثبت المؤسسات بشكل مقنع أن القواعد تُطبّق على كل القطاعات والجهات وفي كل المراحل السياسية كافة. ويبدو أن العراق يمر بمرحلة توطيد شاقة كهذه. ومن الأمثلة التي تُظهر صعوبة الانتقال إلى نهج شامل هو ملف التحول الرقمي.
الخدمات الرقمية تساعد لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي
لقد أحدث توسّع العراق في الخدمات العامة الرقمية فرقا ملموسا، مثل الجوازات والبطاقات الوطنية والخدمات المقدّمة عبر البوابة الحكومية "أور"، فالتقليل من التفاعل المباشر يقلّل فرص الفساد المحدود المدى، وتوحيد الإجراءات يعزّز الشفافية. وبالنسبة لكثير من المواطنين، كانت هذه التغييرات مرحّبا بها وملموسة. ومن خلال توحيد الإجراءات وزيادة قابلية التتبّع، تُظهر هذه الخدمات كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحدّ من مخاطر الفساد اليومية عندما تُطبَّق بأسلوب مركّز ومحكوم جيدا.
غير أن الخبرة الدولية تشير إلى أن عملية التحول الرقمي تُسهم في زيادة المصداقية فقط عندما تُدمج ضمن إصلاح حوكمي أوسع. ففي جورجيا، جاءت التحسينات السريعة في النزاهة وجودة الخدمات عقب إصلاحات إدارية حاسمة قلّصت هامش التقدير وعزّزت قدرات الدولة، ما أتاح نشر الأدوات الرقمية بسرعة وبأثر واضح. وفي إستونيا، تطورت الرقمنة تدريجيا بالتوازي مع إصلاح مؤسسي مستدام، مُدمِجةً المساءلة والتشغيل البيني والثقة في نموذج عمل الدولة. ورغم اختلاف المسارات، تشير التجربتان إلى خلاصة واحدة: ينجح التحول الرقمي في تعزيز النزاهة عندما يعزّز القواعد المتوقَّعة والانضباط المؤسسي، لا عندما يحلّ محلّهما.
وعليه، فالتحول الرقمي ليس تدخلًا تقنيا في الأساس، بل خيار حوكمة. فحيث تكون القواعد واضحة، والرقابة فعّالة، وسلوك المؤسسات متّسقا، تستطيع التكنولوجيا أن تعزّز الثقة وتحدّ من التقدير الشخصي. أما حيث تغيب هذه الشروط، فقد تُعيد الأنظمة الرقمية إنتاج اختلالات القوة القائمة أو حتى تركيزها. ولهذا تكتسب البنية التحتية العامة الرقمية أهمية متزايدة؛ إذ تنقل التركيز من خدمات رقمية منفردة إلى منظومة أساسية (سجلات مشتركة، منصات متوافقة، أطر حوكمة البيانات، وآليات المساءلة) تُبنى عبرها المصداقية على نطاق واسع. وعندما تُحكَم هذه المنظومات بصورة متماسكة، تنتقل الرقمنة من مكاسب مرتبطة بالنزاهة ولكن معزولة إلى أثر منظومي شامل على الثقة وموثوقية المؤسسات.
ما يلمّح إليه المؤشر أيضا ولا يلتقطه بالكامل
يعكس مؤشر مدركات الفساد أكثر من القوانين والاستراتيجيات؛ فهو يجسّد مخاوف يشعر بها العراقيون يوميًا، مثل: «هل تُطبَّق القواعد بشكل متكافئ أم انتقائي؟»، و«هل تطبق القواعد على كل القطاعات وخلال المراحل السياسية المختلفة؟»، و«هل تستطيع هيئات الرقابة العمل دون ضغوط؟». فحين تبدو المساءلة غير متسقة، تقلّ الثقة حتى مع وجود أطر رسمية، وحين تتصرف المؤسسات بشكل متوقّع، تنمو الثقة.
وفي العراق، تتقاطع تحديات المصداقية هذه بشكل متزايد مع الضغوط البيئية والمناخية. فشحّ المياه، وتدهور الأراضي، واحتياجات الاستثمار المرتبطة بالمناخ تفرض مطالب جديدة على المؤسسات العامة، وأنظمة المشتريات، والرقابة التنظيمية. وحيث تكون آليات النزاهة ضعيفة أو غير متكافئة، يمكن للضغوط البيئية أن تُفاقم مخاطر الفساد، وتشوه أولويات التنمية، وتقوّض الثقة العامة. ومن هذا المنظور، تعكس نتائجمؤشر مدركات الفساد أيضا الثقة في قدرة الدولة على إدارة التحولات المرتبطة بالمناخ بشفافية وعدالة.
من نية الإصلاح إلى مصداقية الإصلاح
لا تعني نتيجة العراق المنخفضة في مؤشر مدركات الفسادلعام ٢٠٢٥ فشل الإصلاح. بل إنها تُبرز فجوة ثقة بين نوايا الإصلاح وتجربة الناس اليومية. وسدّ هذه الفجوة يتطلب الانتقال من إجراءات متفرقة إلى إصلاحات مُدمَجة في الممارسة المؤسسية اليومية ومحميّة من التقلبات السياسية.
ضمن هذا المنطق، ينبغي فهم انخراط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، بما في ذلك مشروع تعزيز التحكيم ومكافحة الفساد أجل العدالة البيئية فالتركيز ليس على مكاسب سريعة أو مظاهر آنية، بل على دعم تأصيل الإصلاح مؤسسيًا، وتعزيز التنسيق، وترسيخ تحول رقمي مبني على أسس الحوكمة، وتهيئة الظروف التي تصبح فيها النزاهة والإنصاف سمات متوقعة للإدارة العامة.
تستجيب مؤشرات التصورات مثل مؤشر مدركات الفساد ببطء. لكنها عندما تتغير، فإنها تعكس عادة إصلاحات حقيقية ومتّسقة ومستدامة. وتشير مسيرة العراق في المؤشر إلى أن الإصلاح جارٍ، لكنه يحتاج إلى المضي أبعد بكثير. والتحدي الرئيسي الآن هو ضمان ترجمة هذا الزخم إلى ثقة بالمؤسسات، وترجمة الثقة إلى ازدهار طويل الأمد. وهي مهمة تتطلب انضباطا والتزاما مستمرين.