صون التراث، واستعادة سبل العيش: نساء أهوار العراق يستعدن المعارف التقليدية
7 حزيران/يونيو 2026
في منطقة الجبايش في قلب أهوار بلاد الرافدين في العراق، شكّل الماء حياة الأجيال على مرّ العصور. فالأهوار ليست مجرد مناطق طبيعية، بل هي مصدر هوية وثقافة وسبل عيش لآلاف العائلات التي اعتمدت منذ القدم على تربية الجاموس، وصيد الأسماك، وحصاد القصب، وإنتاج الألبان، والحرف اليدوية التقليدية.
على مرّ السنين، توارثت الأجيال العديد من المعارف اليدوية. علّمت الأمهات بناتهنّ كيفية نسج القصب وسعف النخيل لصنع السلال والحصر. وعملت العائلات بمنتجات الألبان التقليدية باستخدام تقنيات صُقلت على مرّ العقود. وتعلّم الأطفال منذ نعومة أظفارهم كيفية الإبحار في الممرات المائية وفهم إيقاعات الأهوار.
أما اليوم، فإنّ هذا النمط من الحياة يتعرّض لضغوط متزايدة.
أثر تغير المناخ، والجفاف الممتد، وارتفاع نسبة الملوحة، وتدهور البيئة، تأثيراً بالغاً على النظام البيئي للأهوار. فقد انخفضت أعداد الأسماك، ونفقت قطعان الجاموس، وأصبح الحفاظ على مصادر الدخل التقليدية أمراً بالغ الصعوبة. وفي محافظة ذي قار وحدها، نزحت أكثر من 8,498 أسرة بسبب الجفاف والتصحر.
بالنسبة للعديد من سكان الجبايش، تتجاوز الأزمة مجرد التغير البيئي، فهي تهدد تراثاً ثقافياً وأسلوب حياة لطالما ميز الأهوار لأجيال.
غالباً ما تحملت النساء العبء الأكبر. فمع تضاؤل الفرص الاقتصادية وتزايد هجرة الرجال بحثاً عن عمل مؤقت، بقيت النساء مسؤولات عن إدارة شؤون المنازل، ورعاية الأطفال، والحفاظ على المعارف التقليدية. ورغم مهاراتهن الواسعة وفهمهن العميق لبيئة الأهوار، إلا أن العديد من النساء لم يحصلن إلا على فرص محدودة في التدريب، ووصول محدود إلى الأسواق، وكسب الرزق.
من خلال مبادرة "وعد المناخ" التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من حكومة اليابان وبالشراكة مع منظمات محلية، بدأت المجتمعات المحلية في منطقة الجبايش باستكشاف سبل الحفاظ على المعارف التقليدية مع خلق فرص جديدة لتعزيز المرونة الاقتصادية.
بدأت المبادرة بالاستماع.
سعى المشروع، من خلال استطلاعات رأي الأسر، وحلقات نقاش مركزة، ومشاورات مع السلطات المحلية وأفراد المجتمع، إلى فهم التحديات التي تواجه المجتمعات والموارد المتبقية لديها.
وكانت النتيجة رسالة واضحة: المعارف التقليدية لم تختفِ.
لا تزال بعض النساء يمتلكن المهارات اللازمة لنسج سعف النخيل والقصب لصنع منتجات تقليدية. ولا يزلن يعرفن كيفية إنتاج منتجات الألبان المحلية والحفاظ على ممارسات تتناسب مع الحياة في الأهوار. لم تكن المعارف نفسها هي المعرضة للخطر، بل نقلها إلى الأجيال الشابة وربطها بفرص اقتصادية مستدامة.
"علمتني أمي هذه الحرفة؛ لقد كانت جزءًا من حياتنا"، كما تذكرت إحدى المشاركات. "لكننا توقفنا لأن المواد أصبحت نادرة".
للمساهمة في سد هذه الفجوة، نظم المشروع سلسلة من البرامج التدريبية التي تركز على النساء في منطقة الجبايش بين كانون الثاني واّيار 2026. شاركت أكثر من 50 امرأة في ثلاث مجموعات تدريبية، ركزت على إنتاج الأزياء التراثية (العبايات)، ومعالجة وانتاج الألبان التقليدية بطرق صحية، والحرف اليدوية المصنوعة من سعف النخيل والقصب.
جمعت الدورات التدريبية بين المهارات التقليدية وممارسات الأعمال الحديثة. تعلمت المشاركات كيفية حساب تكاليف الإنتاج، وتصوير المنتجات باستخدام الهواتف المحمولة، وتسويق منتجاتهن عبر الإنترنت، وربط الحرف التقليدية بفرص السياحة البيئية المتنامية في الأهوار.
كان تبادل المعرفة متبادلاً.
ساعدت المشاركات الشابات النساء الأكبر سناً في استخدام الأدوات الرقمية، بينما تبادلت النساء الأكبر سناً المهارات والتقنيات التي كادت أن تندثر. سرعان ما تحولت الدورات التدريبية إلى مساحات تتعلم فيها الأجيال من بعضها البعض، وأصبح التراث الثقافي مصدراً لثقة متجددة وفرص جديدة.
كان الأثر واضحًا.
في بداية البرنامج، نظر العديد من المشاركين إلى أنشطتهم كوسيلة أساسية لتأمين احتياجات أسرهم. وبحلول نهايته، بدأ الكثيرون ينظرون إلى مهاراتهم ومنتجاتهم وقصصهم كجزء من هوية ثقافية واقتصادية أوسع مرتبطة بالأهوار.
في مجموعة إنتاج الألبان، بدأ المشاركون طواعيةً بتعليم بعضهم بعضًا خلال الجلسات العملية، مُظهرين شعورًا بالمسؤولية والحماس لعملية التعلم.
وقالت الميسرة الرئيسية بثينة وحيد الركابي: "أُعجبتُ كثيرًا بحرص المشاركين على شرح ما تعلموه في اليوم السابق وخطوات مهام اليوم. لقد أظهروا شجاعةً والتزامًا وتركيزًا كبيرًا".
إلى جانب توليد الدخل، ساهمت المبادرة في إعادة تأهيل السكان.
إلى جانب توليد الدخل، ساهمت هذه المبادرة في إعادة تأكيد قيمة المعارف البيئية التقليدية كأصلٍ يُعزز القدرة على التكيف مع تغير المناخ واستقرار المجتمع.
حدد أفراد المجتمع فرصًا محلية تدعم سبل العيش وتُسهم في الاستدامة البيئية، بما في ذلك السياحة البيئية، ونماذج الأعمال التعاونية، وحصاد القصب المستدام، والمنتجات التراثية مثل حبوب لقاح قصب الخريط.
من خلال إحياء سبل العيش التقليدية وخلق فرص اقتصادية جديدة للنساء، تُساعد هذه المبادرة المجتمعات على التكيف مع الضغوطات المناخية مع الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز التماسك الاجتماعي. في منطقة لا يزال فيها تغير المناخ يُهدد سبل العيش ويُؤدي إلى النزوح، يُسهم تمكين المرأة بصفتها حامية للمعرفة التقليدية في تعزيز القدرة على التكيف واستقرار المجتمع على المدى الطويل.
لا تزال التحديات التي تواجه الأهوار كبيرة. فنقص المياه مستمر، وسبل العيش هشة، ويستمر العديد من الشباب في الرحيل بحثًا عن فرص أفضل.
حول المشروع:
يُنفّذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق مشروع "تعزيز العمل المناخي المُراعي للنزاعات والمُعزز للسلام في جنوب العراق ومنطقة الفرات" ضمن برنامج "الوعد المناخي - من التعهد إلى التأثير"، بدعم من حكومة اليابان من خلال الميزانية التكميلية اليابانية. ويستجيب المشروع لتزايد الضغوط المناخية في جنوب العراق، ولا سيما ندرة المياه، وملوحة التربة، وتدهور الأراضي، وانعدام أمن الطاقة، مما يُهدد سُبل العيش الزراعية، والأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات. تُشجع هذه المبادرة حلولاً قابلة للتطبيق على نطاق واسع وقائمة على الأدلة، تربط بين القدرة على التكيف مع تغير المناخ وبناء السلام والتنمية المستدامة.
حول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "الوعد المناخي"
في عام 2021، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مرحلة جديدة من برنامج "الوعد المناخي - من التعهد إلى التأثير"، بهدف ترجمة أهداف المساهمات المحددة وطنياً إلى إجراءات ملموسة.
تُعدّ اليابان أكبر داعم لهذه المرحلة، وتنضم إلى شركاء قدامى كألمانيا والسويد والاتحاد الأوروبي وإسبانيا وإيطاليا، وشركاء جدد كالمملكة المتحدة وبلجيكا وأيسلندا والبرتغال، لتسريع هذه الجهود.
وترى اليابان أن أزمة المناخ تُشكّل تهديدًا للبشرية جمعاء، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقود الدول لتسريع إجراءاتها المناخية.