من الإغاثة إلى الاعتماد على الذات: تمكين المرأة في الريف اليمني اقتصادياً
10 آذار/مارس 2026
تُعدّ جلسات التثقيف للأمهات جزءًا من برنامج النقد مقابل التغذية.
تُجسد قصة دنيا نموذجاً ملهماً في تعزيز قيم الاعتماد على الذات، وذلك عبر بوابة التحول الرقمي ودعم المشاريع التي تقودها النساء في أكثر المجتمعات احتياجاً في اليمن.
اليوم، تُعرف دنيا في مجتمعها كصاحبة مشروع ناجح، وكقدوة للنساء في مجتمعها. وبصفتها أمًّا تٌدرك الاحتياجات الصحية لأطفالها، ولديها القدرة على توفير ما يحتاجونه. لكن حياتها لم تكن دائمًا على هذا النحو. فبفضل نهج تنموي متكامل يدعم التحول من الاعتماد على المساعدات الإغاثية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، لم تعد دنيا مجرد رقم في الاحصاءات التي تعكس واقع النساء في الريف اليمني، بل أصبحت مثالًا حيًّا على أثر التمكين الاقتصادي في تعزيز صمود المجتمعات المحلية.
تجاوزت مستويات سوء التغذية في اليمن حدود الحالة الطارئة وباتت أزمة مزمنة تفتك بمستقبل الملايين. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 2.3 مليون طفل دون سن الخامسة يحتاجون إلى العلاج من سوء التغذية الحاد. كما تعاني حوالي 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع من سوء التغذية.
وتتخذ هذه التحديات أبعاداً عميقة وبعيدة المدى على المجتمع؛ إذ ترغم الازمات المعيشية الأطفال على ترك مقاعد الدراسة، بينما يُخلّف سوء التغذية أثرًا دائمًا على نموهم العقلي والجسدي، الأمر الذي يضع مستقبل اليمن الاقتصادي برمته على المحك.
وبالنسبة لـ دنيا وعائلتها، لم يكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة أمرًا سهلاً، إلا أن النهج الجديد في تقديم الدعم مهّد لهم الطريق، إذ يركز هذا النهج على معالجة الأسباب المتعددة والمعقدة لسوء التغذية والفقر، لتمكين الأسر من تحقيق تغيير مستدام في واقعها المعيشي.
تعتني دنيا بابنتها هيا، التي تعاني من سوء التغذية. المواسط، محافظة تعز، اليمن.
النساء الريفيات في مواجهة التحديات والقيود
تضطلع النساء الريفيات في اليمن بدورٍ محوري في رعاية أسرهنّ، إلا أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية تَحُول دون تمكّنهن من تحقيق الدخل الكافي لضمان النمو الصحي لأطفالهنّ. وفي ظل افتقار الكثير منهنّ للتعليم والتدريب، تظل فرص وصولهنّ إلى الأدوات المالية الأساسية، كالحسابات الادخارية والمحافظ الإلكترونية والقروض الصغيرة، محدودة للغاية. إن هذا التهميش لا يقوض قدرتهنّ على اتخاذ قرارات مالية مستقلة فحسب، بل يترك أسرهنّ عرضة للصدمات الاقتصادية وانعدام الأمن الغذائي.
هذه هي المعاناة التي عاشتها دنيا، وهي أم لثلاثة أطفال من مديرية المواسط بمحافظة تعز؛ حيث كان زوجها يعمل بالأجر اليومي، مما جعل دخل الأسرة متذبذبًا وغير كافٍ لتلبية الاحتياجات الأساسية. كان لهذا الواقع أثر بالغ على ابنتها "هيا".
تقول دنيا: "تدهورت صحة هيا بسبب سوء التغذية وقلة وعيي بأسس النظافة السليمة"، موضحةً أنها بدأت بإدخال الأطعمة الصلبة إلى نظامها الغذائي في عمر ثلاثة أشهر فقط. وتضيف: "أصبحت ابنتي هزيلة وفقدت شهيتها، وكانت تمرض باستمرار، بسبب ضعف مناعتها". أصبح الاعتناء بـ "هيا" هَمًا دائمًا يثقل كاهل الأسرة، ويترك لهم مجالًا محدودًا للتخطيط لمستقبلهم. وتؤكد قصة دنيا بذلك أن سوء التغذية مشكلة أعمق بكثير من كونه مجرد ازمة صحية.
بناء جيل المستقبل
بدعم المؤسسة الدولية للتنمية التابعة لمجموعة البنك الدولي، يسعى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق الاجتماعي للتنمية إلى كسر حلقة سوء التغذية، من خلال مشروع يجمع بين عدة أنشطة متكاملة. حيث يقدم برنامج التحويلات النقدية المشروطة دعمًا ماليًا فوريًّا للأمهات التي لديهن أطفال يعانون من سوء التغذية، ويشجع الأمهات على حضور جلسات التثقيف الصحي، بينما تعمل مجاميع الادخار والتمويل الريفي على تعزيز صمود النساء الاقتصادي.
وبذلك يربط هذا النهج بين التصدي لسوء التغذية، ودعم دور النساء في المجتمعات الريفية، والحاجة الماسة لتعزيز صمود الأسر، والاستثمار المستدام في رأس المال البشري.
وفي مواجهة التحدي المباشر المتمثل في سوء التغذية لدى الأطفال، برز برنامج النقد مقابل التغذية كأداة تدخل جوهرية؛ شكَّلت نقطة تحوُّل في حياة دنيا. وتوضح قائلًة: "لقد استفدت كثيرًا من المساعدة النقدية، فقد مكنتني من شراء غذاء أكثر تنوعًا، وأصبح جميع أطفالي، بمن فيهم هيا، يحصلون على تغذية أفضل". ومع تلاشي بعض المخاوف ونمو ثقتها بنفسها، استطاعت دنيا أيضًا ادخار جزء من الدعم المالي الذي حصلت عليه، ما منحها القدرة على التخطيط للمستقبل.
مشاريع تقودها النساء
المبالغ الصغيرة التي إدخرتها دنيا مكنتها من إحداث تغيير ملموس في حياتها، إذ انضَمَّت إلى إحدى مجموعات الادخار والتمويل الريفي في منطقتها، والتي تعتمد على مساهمات شهرية صغيرة لتعزيز التضامن الاجتماعي، وتمكين الأعضاء من تمويل مشاريعهم الخاصة. وتتلقى النساء مثل دنيا تدريبًا شاملاً، يشمل التخطيط للمشاريع وإعداد دراسات الجدوى وتدريبات مهنية، لضمان نجاح مشاريعهن الصغيرة.
أصبحت مجموعة الادخار والتمويل الريفي بوابة دنيا نحو الاعتماد على الذات. وتروي دنيا تجربتها قائلة: "اخترت البدء بمشروع تربية النحل وإنتاج العسل لأنه يتناسب مع بيئتنا الريفية، ولا يتطلب رأس مال كبير، كما أنه يلبي احتياجًا قائمًا في السوق. حصلت على تمويل من مجموعتي، وتلقيت تدريبًا من أحد استشاريي الصندوق الاجتماعي للتنمية حول كل ما يتعلق بتربية النحل وإنتاج العسل". وتضيف: "أصبح لدي الآن دخلٌ مستقر أستطيع من خلاله تلبية الاحتياجات الأساسية لعائلتي وشراء مستلزمات الدراسة والأدوية لأطفالي، مع الالتزام بسداد أقساط التمويل للمجموعة. خطتي القادمة هي الاستمرار في تطوير مشروعي وادخار بعض المال لمواجهة أي أزمات طارئة".
المحفظة الالكترونية: خطوة مهمة نحو النجاح
حتى مع حصولهنّ على التدريب المناسب، تستمر العوائق الجغرافية والاجتماعية بالحدّ من فرص النساء الريفيات. وهنا تأتي "المحافظ الالكترونية" لتغير هذا الواقع، إذ تُمكّن النساء من اجراء المعاملات المالية بأمان وخصوصية، مما يمنحهنّ الثقة والاستقلال المالي. وتتيح هذه الأدوات متابعة الدخل، واجراء التحويلات، وتوفير الوقت والتكاليف المرتبطة باستلام أو إرسال الأموال، وهي عناصر مهمة لتحقيق الاعتماد على الذات. تقول دنيا: "أتلقى المدفوعات من الزبائن وأشتري المستلزمات الضرورية عبر محفظتي الإلكترونية، دون الحاجة لمغادرة المنزل أو التنقل لمسافات طويلة، مما وفر عليّ الوقت والجهد، وقلّل المخاطر المرتبطة بالتنقل".
إن التكامل بين برنامج النقد مقابل التغذية والتثقيف الصحي، وتفعيل مجموعات الادخار والتمويل الريفي، ودعم المشاريع الصغيرة، والشمول المالي عبر المحافظ الالكترونية، قد خلق مسارًا حقيقيًا للتمكين، للنساء في الريف اليمني كدنيا.
يُعزز استخدام المحفظة الالكترونية قدرة دنيا على الإدارة المالية.