فجرٌ جديد: رحلة أحمد من انكسار الفقد إلى شموع الريادة

21 كانون الأول/ديسمبر 2025
Colorful textile shop with stacked fabric rolls; several men chat around a counter.
الصور: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق \محمد البهبهاني

في قضاء البعاج التابع لمحافظة نينوى، تلك الأرض التي ذاقت مرارة النزوح وقسوة الأيام، يقف "أحمد عجيل" ذو الخمسة وثلاثين عاماً ليعيد صياغة فصول حياته، بخطواتٍ واثقة وعزيمةٍ لا تلين.

لم يكن طريق أحمد نحو الاستقرار مفروشاً بالورود؛ ففي ريعان شبابه، كانت كرة القدم هي شغفه ومستقبله الذي يحلم به، لكن حادثاً مأساوياً خلال مباراة محلية قلب الموازين رأساً على عقب. لم يكن فقدان ساقه مجرد عجز في الحركة، بل كان طعنة في صميم هويته. أعقبت ذلك سنوات مريرة من الصراع النفسي، والانزواء، وشعورٍ حارق بالذنب كونه بات "عبئاً" على من يحب.

يستذكر أحمد تلك الأيام بأسى: "شعرتُ حينها أن أحلامي وُئدت. لقد فقدتُ ذلك الجزء مني الذي كان يركض بحرية، والجزء الذي كان يؤمن بالغد".

تفاقمت معاناة أحمد بعد نزوحه إلى "مخيم الهول"، حيث تحولت الحياة إلى سجنٍ من الترقب وعدم اليقين. كانت الأيام اختباراً قاسياً للصبر؛ تنقّلٌ مرهق بالعكازات فوق تضاريس وعرة، وقيودٌ على الحركة، وألمُ الفراق الذي تمزق به شمل عائلته بعد عودتهم إلى سوريا. يقول أحمد: "تلك المرحلة علمتني المعنى الحقيقي للخسارة، لكنها علمتني أيضاً أن القوة الكامنة في أعماقنا تظهر حين لا يتبقى أمامنا خيارٌ سوى الاستمرار".

حين عاد أحمد أخيراً إلى مسقط رأسه في البعاج، بدا له كل شيء غريباً؛ ركامٌ حيث كانت البيوت، ونظرات تشوبها الريبة حيث كان الترحيب. كانت رحلة الاندماج مجدداً في المجتمع تحدياً جسيماً، ولكن من قلب هذا اليأس، نمت بارقة أمل؛ إذ سمع أحمد عن مبادرة لـ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، بدعم من الاتحاد الأوروبي وتنفيذ منظمة الرؤية العالمية الدولية، تهدف لمساعدة العائدين على استعادة سبل عيشهم عبر منح للمشاريع الصغيرة، وتدريبات مهنية، ودعم نفسي.

Group of people in a colorful fabric shop, with a man in a green shirt speaking.

يصف أحمد تلك اللحظة قائلاً: "كان انضمامي للتدريب بمثابة استعادة الأوكسجين لرئتَي. في البداية، ساورني الشك في قدراتي، لكن المدربين آمنوا بي قبل أن أؤمن بنفسي".

انغمس أحمد في ورش عمل حول ريادة الأعمال، فتعلم فنون التخطيط والميزانية وإدارة المشاريع. والأهم من ذلك، بدأ في مد جسور التواصل مع آخرين يشاركونه قصص الفقد والنهوض. كانت جلسات الدعم النفسي نقطة التحول الكبرى؛ ويوضح ذلك بقوله: "ساعدتني تلك الجلسات على ترميم ثقتي بنفسي؛ أدركتُ أن الإعاقة لا تلخص هويتي، بل هي مجرد فصل واحد من فصول حكايتي".

بعزيمة متقدة، حصل أحمد على منحة لمشروع صغير، مكنته من افتتاح متجر للملابس والحقائب. وسرعان ما تحول متجره إلى ما هو أكثر من مجرد مصدر للرزق؛ أصبح رمزاً للصمود في البعاج. لم يعد أهالي المنطقة يرون في أحمد رجلاً تحدّه الإعاقة، بل رائد أعمال حوّل الألم إلى هدف، والأنقاض إلى نجاح.

اليوم، لا يدير أحمد مشروعاً تجارياً فحسب، بل يمنح الآخرين سبباً للإيمان بالفرص الثانية. أصبح دكانه ملتقى للجيران والأصدقاء، ومساحة صغيرة تفيض بقصص التعافي والأمل. يقول والابتسامة تعلو وجهه: "كل قطعة أبيعها، وكل حديث أتبادله مع الزبائن، يذكرني بأنني أنتمي لهذا المكان. لقد منحني هذا المجتمع بداية جديدة، وأريد الآن أن أردَّ الجميل".

يتطلع أحمد اليوم إلى المستقبل بعين الطموح؛ يحلم بتوسيع متجره وأن يكون مصدر فخر لأطفاله. ويختم قائلاً: "أريدهم أن يَرَوا ما بناه والدهم من العدم، وأن يدركوا أنه مهما بلغت قسوة الحياة، فثمة دائماً طريق نحو الأمام".

إن قصة أحمد هي تجسيد حي للشجاعة والكرامة والتجدد، وهي ثمرة الشراكة الوثيقة بين الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، والتي تواصل تمكين العراقيين الأكثر احتياجاً لإعادة بناء حيواتهم، واستعادة الأمل، وتعزيز صمود المجتمعات في كافة أرجاء البلاد.