قوة القياس

26 نيسان/أبريل 2026

The Book Cover of Fifty Short Stories by Ali Mustafa Al-Misrati

تأبى الشخصية الخيالية في القصة القصيرة الفكاهية للكاتب الراحل علي مصطفى المصراتي، والتي تحمل عنوان "2 كيلو"، إلا أن يعيش حالة من المعاناة،  بعد ان ادرك على نحو مفاجئ انه فقد 2 كيلوغرام  من وزنه. و بعد عجزه عن إيجاد سببا مقنعا يفسر هذه الفقدان المفاجئ اصبح مهووسا بالبحث عن السبب و كرس لذلك جل وقته.

 فبدأ يتنقل من جهاز قياس لآخر للتأكد و يستجوب كل من يعرفهم بحثاً عن إجابة. ظل لساعات، يلقي باللوم  على أجهزة القياس المعطلة، ثم على الأدوية التي تناولها مؤخراً، بل و يذهب به الأمر إلى ابعد من ذلك فيلوم القوى الخارقة للطبيعة، كـ "الحسد" أو "العين".

غير انه في صبيحة اليوم التالي،  زال همه و هوسه و شعر بسعادة غامرة بعد ان رأى على شاشة جهاز القياس  أن وزنه قد عاد إلى طبيعته أي بزيادة كيلوغرامين. ، يتبين أن لهذا التغيير تفسيراً بسيطاً: فلقد عاد في ذلك اليوم لارتداء ملابسه التقليدية الثقيلة وحمل عصاه المصنوعة من العاج، وهي الأشياء التي كان قد وضعها جانباً عندما لاحظ نقص وزنه لأول مرة. غاب عنه هذا السبب الحقيقي تماماً و هو يمشي بين الازقة في جولته المعتادة بثقة وتفاؤل متجددين. 

وبعيداً عن الطابع الكوميدي لهذه القصة  من حيث افتقار الشخصية لأبسط مستويات الوعي او الإدراك الذاتي،  فانها تسلط الضوء على موضوع مهم يمس حياة الناس و المجتمعات و الدول و هي: الحاجة إلى ضبط ادوات القياس بدقة وفهم ما نقيس و كيفية القيام بهذه القياسات عندما يتعلق الامر بمواجهة و التصدي للتحديات و المشكلات الاخذة في التزايد و التعقيد.

فبدون بيانات و معطيات موثوقة، يتعذر فهم الطبيعة الحقيقية للقضايا و التحديات المراد التصدي لها، و غياب الوعي بذلك يعني اننا قد نخاطر - هو الذي وقع فعلا مع بطل القصة ــ ان نقوم بتوجيه الوقت والجهد والموارد نحو مشكلات قد لا تكون موجودة أصلاً، او أخطأنا في توصيفها لمجرد أننا أخطأنا في ضبط أدوات قياسها و فهم البيانات المتعلقة بها.

لماذا تعتبر البيانات مهمة؟

بينما تواصل ليبيا التصدي لمجموعة من التحديات التنموية المعقدة والمترابطة، فانه لا يمكن الاستهانة بالحاجة إلى بيانات موثوقة وشاملة.

فالتجارب و الأمثلة من جميع أنحاء العالم تظهر أن تصورات الناس و انطباعاتهم عن مستويات التفاوت او غياب الانصاف تشكل و تؤطر رؤية الناس و تحدد الزاوية التي ينظرون منها لتقييم المؤسسات والسياسات العامة ، الامر الذي قد يولد مظالم و يخلق شعورا بالاستياء و الإحباط و عدم الرضى العام. 

مثل هذه المظالم و المشاعر يمكن ملاحظتها في العديد من المجتمعات. في أفضل الحالات، يتم التعبير عنها في حيز النقاش العام و ضمن الأطر السلمية،  أما في سياق الازمات، فيمكن أن تتجلى في شكل توتر اجتماعي أو انقسام أو صراع.

إن التصدي لهذه التحديات يبدأ بفهمها- الأدلة، المتمثلة في البيانات الموثوقة، توفر نقطة الانطلاق لعملية التصدي هذه. إذ يمكن للبيانات أن تساعد في بناء و بلورة فهم مشترك للتحديات التنموية، وتحديد نطاقها، ومعرفة المتأثرين بها، ومساعدة صانعي السياسات على تصميم استجابات أكثر فعالية.

وضع الإنسان في صميم البيانات

تضع أنظمة البيانات الفعالة التجارب المعاشة للناس في قلب عملية جمع البيانات وتحليلها فهذا الامر ليس ذو قيمة في حد ذاته فحسب، بل هو ضروري أيضاً لبناء الثقة العامة في جهود الإصلاح. فغالباً ما تتضمن السياسات الرامية إلى الإصلاح مفاضلات بين خيارات متاحة ، ويمكن أن تساعد الأدلة في جعل هذه المفاضلات أكثر وضوحاً لصناع القرار والمواطنين على حد سواء.

وسواء كان التحدي يتعلق بإصلاح نظام الدعم، أو الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، أو تحسين الخدمات العامة، فإن البيانات الموثوقة لا غنى عنها. فعندما تعكس الأدلة و البيانات الجوانب المترابطة لحياة و واقع الناس، تزداد فرصة أن تكون الإصلاحات فعالة ومستدامة.

دعم التنمية القائمة على البيانات في ليبيا

يعد تعزيز صنع السياسات القائمة على الأدلة جزءاً هاماً من عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع المؤسسات الوطنية.

ومن خلال مبادرات مثل التعاون لدعم الجهود الوطنية في اعداد التقرير الوطني السابع للتنمية البشرية ، ومبادرة تطوير القدرات قياس حول الفقر متعدد الأبعاد، أو العمل على فهم الاستدامة البيئية من منظورالعلاقة المترابطة بين "المياه والطاقة والغذاء"، أو تطوير استراتيجية للمياه قائمة على تحليل دقيق للواقع، يدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جهود الشركاء الوطنيين في توفير الأدلة  و البيانات التي يمكن أن تسترشد بها السياسات التنموية.

ومما يدعو للتفاؤل أن العديد من المؤسسات الوطنية بدأت تدرك بشكل متزايد أهمية و قيمة البيانات والتقنيات الرقمية في مجال توفير الخدمات و تحليل السياسات.

ويقف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أهبة الاستعداد لمواصلة الشراكة مع المؤسسات الوطنية للبناء على هذه الجهود، مستفيداً من الخبرة العالمية والإقليمية للبرنامج و المقاربات المبتكرة في هذا السياق.

وعندما تقترن عملية توفير البيانات و الادلة بالأدوات الرقمية والتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي، يمكن لأنظمة البيانات أن تصبح أكثر فعالية، مما يساعد صانعي السياسات على الاستجابة بشكل أسرع وتصميم مبادرات تنموية أكثر استهدافاً وتأثيراً.

أهمية البيانات المفصلة و المصنفة و البيانات على المستوى المحلي

لكي تكون البيانات مفيدة حقاً، يجب أن تكون مصنفة ومتوفرة على المستوى المحلي. وهذا يعني مراعاة الفروق بين المناطق، وبين النساء والرجال، وبين الفئات العمرية المختلفة بما في ذلك الشباب والخصائص الديموغرافية الأخرى.

فالمعدلات المحتسبة على مستوى وطني وحدها غالباً ما تخفي تباينات مهمة. فالإدارات و البلديات المحلية على سبيل المثال، تحتاج إلى الوصول إلى تلك البيانات التي تعكس واقعها الخاص من أجل تصميم الحلول المناسبة.

كما يجب تحديث البيانات بشكل منتظم لكي لتعكس الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المتغيرة التي تشكل حياة الناس و واقعهم.

والأهم من ذلك، يجب أن تعكس البيانات احتياجات الناس ة تجاربهم المعاشة و تطلعاتهم. لاشك انه هنالك قيمة كبيرة تمنحها  المؤشرات الموحدة، ولكن يجب أن تتكامل هذه مع رؤى و أفكار تعكس و اقع و خصوصية المجتمعات المحلية

بناء ثقافة البيانات

لكي تنجح جهود تعزيز استخدام البيانات في مختلف مناحي الحياة فلابد من توفر ثقافة على مستوى المجتمع ككل تشجع في تبني هذه الاتجاه.

بينما تلعب المؤسسات الحكومية دوراً مركزياً، يساهم الأكاديميون ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والجمهور العام أيضاً في تقوية نظم البيانات. فالباحثون والطلاب ورواد الأعمال ومنظمات المجتمع المدني يستفيدون جميعاً من القدرة على جمع البيانات و تحليلها لمعالجة تحديات و مشكلات العالم الحقيقي، كل في مجال عمله.

إن تعزيز هذه الثقافة المجتمعية حول البيانات يمكن أن يدعم حواراً عاماً مستندا الى مستوى اعلى من المعرفة و يعزز فاعلية و كفاءة عملية صنع القرارات في نفس الوقت الذي تساعد فيه المؤسسات على رصد التقدم و تطوير السياسات عبر الزمن.

إن البيانات الموثوقة وعالية الجودة هي نقطة الانطلاق لمعالجة التحديات التنموية المعقدة. فمن الحد من الفقر و الحرمان و البطالة مرورا  بالإدارة المستدامة للموارد، تساعد الأدلة و البيانات على توضيح الأولويات و إيجاد الحلول الممكنة. كما يمكن أن توفر رؤى و أفكار تسلط الضوء حول الأبعاد الأقل وضوحاً للتنمية ــ بما في ذلك تطلعات الناس وتوقعاتهم وتصوراتهم للفرص و الإمكانات المتاحة امامهم.

بالنسبة لليبيا، فإن الاستثمار في أنظمة بيانات قوية ليس مجرد عملية تقنية فنية ، بل هي أولوية تنموية استراتيجية. وفي مواجهة التحديات المعقدة، يمكن للبيانات أن تساعد في بناء فهم أوضح لمواطن القوة من حيث التأكد من ان الخطوات المتخذة تسير على ما يرام و فهم أوضح لمواطن الضعف، من حيث تحديد السياسات الواجب تحسينها  ، و فهم أوضح للمجالات التي ينبغي ان تتوجه اليها الموارد لتحقيق أكبر أثر ممكن.

وكما تذكرنا قصة الراحل علي المصراتي، فإن الفهم و الوعي بالقياس بها يمكن أن يصنع كل الفرق بين البحث العقيم عن حل للمشكلة الخطأ و بين إيجاد التفسير و الحل الصحيحين.