حقبة جديدة للنساء في ليبيا
8 مارس 2026
يأتي اليوم الدولي للمرأة هذا العام في وقتٍ يشهد فيه العالم لحظة تأمل لدى العديد من المجتمعات. فتصاعد التوترات والصراعات في عدة مناطق يذكرنا بمدى هشاشة مكاسب التنمية. فالتقدم الذي تحقق بشق الأنفس في مجالات التنمية البشرية والنمو الاقتصادي والحوكمة يمكن أن يتراجع بسرعة عندما تسود حالة من عدم الاستقرار.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح حماية حقوق النساء والفتيات وتعزيزها أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالمجتمعات التي تمكّن النساء تكون أكثر قدرة على الصمود، وأكثر سلامًا، وأكثر استعدادًا لمواجهة التحديات وعدم اليقين.
وبصفتي امرأة تعمل في مجال التنمية الدولية، فقد شهدت عن قرب كيف يسهم تمكين النساء في إحداث تحولات حقيقية داخل المجتمعات في مختلف البلدان والمناطق. فعندما تتمكن النساء من المشاركة الكاملة في الحياة العامة، سواء في الحكم المحلي أو قطاع الأعمال أو مجتمعاتهن المحلية أو المجتمع المدني أو الخدمة العامة، فإن أثر ذلك يتجاوز بكثير الفرص الفردية. إذ تصبح الأسر أكثر تماسكًا، والمؤسسات أكثر استجابة، وتغدو المجتمعات أكثر شمولًا وقدرة على الصمود.
وخلال لقاءاتي مع نساء من مختلف أنحاء ليبيا، من قيادات مجتمعية وناشطات في المجتمع المدني إلى رائدات أعمال ومسؤولات محليات منتخبات حديثًا، لفت انتباهي إصرارهن على الإسهام في خدمة مجتمعاتهن والمشاركة في رسم مستقبل بلدهن.
وتواصل النساء في مختلف أنحاء البلاد لعب دور أساسي في تشكيل مجتمعاتهن والمساهمة في مستقبل ليبيا. فعلى الرغم من سنوات التحديات السياسية والاقتصادية، تبرز النساء الليبيات كقيادات فاعلة في الحياة العامة والمجتمع المدني وقطاع الأعمال والحكم المحلي. ويشكل إصرارهن والتزامهن تجاه مجتمعاتهن قوة دافعة للتغيير الإيجابي.
وتقدم التطورات الأخيرة مؤشرات مشجعة على إحراز تقدم. فخلال انتخابات المجالس البلدية التي جرت في 119 بلدية، شهدت مشاركة النساء في الحياة العامة نموًا ملحوظًا. فقد ترشحت 1,766 امرأة، ما يمثل 26 في المائة من إجمالي المرشحين، بينما فازت 207 نساء بمقاعد في المجالس البلدية، أي ما يعادل 23.8 في المائة من الأعضاء المنتخبين.
وللمرة الأولى في تاريخ ليبيا، تم انتخاب امرأتين في منصب عميد بلدية، في محطة مهمة تعكس تقدم قيادة النساء على المستوى المحلي. ويعكس انتخابهما تنامي ثقة الناخبين في القيادات النسائية، والدور المهم الذي تؤديه النساء في تعزيز الحوكمة الشاملة.
وتنسجم هذه الإنجازات مع موضوع اليوم الدولي للمرأة لهذا العام: “الحقوق والعدالة والعمل من أجل جميع النساء والفتيات.”
ويتطلب التقدم في هذه المبادئ جهودًا مستمرة وشراكات فعّالة. ويعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن كثب مع المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في مختلف أنحاء ليبيا لتهيئة الظروف التي تمكّن النساء من المشاركة الكاملة في الحياة العامة وصنع القرار.
ويتحقق جزء كبير من هذا العمل بفضل الدعم المتواصل من شركاء التنمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذين يسهم تعاونهم في تعزيز الحوكمة الشاملة، وتقوية المؤسسات، وتوسيع الفرص المتاحة للنساء والفتيات في ليبيا.
تعزيز الحقوق والمشاركة
إن ضمان مشاركة النساء بصورة فعّالة في الحياة السياسية يعد عنصرًا أساسيًا لتحقيق الحوكمة الشاملة. ويواصل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالشراكة مع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، دعم الجهود الرامية إلى تعزيز عمليات انتخابية أكثر شمولًا في ليبيا.
وفي إطار هذا العمل، وبالتعاون مع وحدة تمكين المرأة بالمفوضية، تم تدريب 137 سفيرة انتخابية لتعزيز المشاركة المدنية ورفع الوعي داخل مجتمعاتهن. ومن خلال الحوار والتواصل والمناصرة، تسهم هؤلاء السفيرات في ضمان وصول أصوات النساء وتشجيع المزيد منهن على المشاركة في العمليات الديمقراطية. كما تدعم هذه الجهود تعزيز تمثيل النساء، بما في ذلك اعتماد تدابير تضمن تخصيص مقاعد لهن في قوائم المرشحين.
ولا تقل أهمية عن المشاركة الانتخابية مسألة دعم مشاركة النساء في عمليات التنمية المحلية. ففي بلديات جبل نفوسة، يدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مبادرات تتيح للنساء الإسهام في التخطيط المحلي وصنع القرار المتعلق بالإدارة المستدامة للمياه. ومن خلال إدماج منظور النساء في عمليات الحوكمة على مستوى المجتمع المحلي، تسهم هذه الجهود في ضمان أن تعكس الحلول التنموية احتياجات المجتمع بأكمله.
التصدي للعوائق
يجب أيضًا حماية المشاركة النسائية. ففي السنوات الأخيرة، تواجه النساء المشاركات في الحياة العامة بشكل متزايد التحرش والعنف الرقمي عبر الإنترنت، وهو ما قد يثنيهن عن المشاركة.
وللتصدي لهذا التحدي، دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استخدام أدوات رقمية لرصد العنف وخطاب الكراهية عبر الإنترنت الموجه ضد المرشحات والنساء الناشطات سياسيًا خلال العملية الانتخابية. وقد أسفرت هذه المبادرة عن إعداد أول تقرير رسمي في ليبيا حول العنف الرقمي في العمليات الانتخابية، ما وفر أدلة مهمة لدعم جهود التوعية وتعزيز الحوار مع المؤسسات المعنية بشأن الوقاية والمساءلة.
إن ضمان وجود مساحات آمنة وشاملة، سواء على أرض الواقع أو عبر الفضاء الرقمي، يعد أمرًا أساسيًا لحماية مشاركة النساء في الحياة العامة.
تعزيز العدالة والمساءلة
تظل العدالة والمساءلة عنصرين أساسيين في تعزيز حقوق النساء والفتيات. ومن خلال مبادرات مثل مشروع المفقودين، ساعد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أيضًا في إيصال أصوات النساء من أفراد عائلات المفقودين في ترهونة، حيث تعكس شهاداتهن الأثر الإنساني العميق للاختفاء القسري، والدور المهم الذي تضطلع به النساء في السعي إلى الحقيقة والعدالة والمساءلة.
كما دعم البرنامج منظمات المجتمع المدني في ليبيا للمشاركة في عملية الاستعراض الدوري الشامل، من خلال تسهيل إعداد تقارير موازية حول حقوق النساء. وقد جمعت هذه التقارير منظمات المجتمع المدني لطرح توصيات رئيسية تهدف إلى تعزيز حماية حقوق النساء وتوسيع نطاق المساواة وإمكانية الوصول إلى العدالة.
وساهم هذا الجهد في تعزيز مشاركة المجتمع المدني في آليات المساءلة الدولية، وفي الوقت نفسه تشجيع الحوار الوطني حول سبل ترجمة الالتزامات الدولية إلى تحسينات ملموسة في مجال العدالة والحماية.
وفي الوقت ذاته، يرتبط تعزيز حقوق النساء ارتباطًا وثيقًا بمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة العامة. فالفساد يؤثر بشكل غير متناسب على النساء، لا سيما اللواتي يعتمدن بشكل أكبر على الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والتعليم والحماية الاجتماعية. وقد يؤدي إلى تعميق أوجه عدم المساواة الاقتصادية، والحد من الوصول إلى الفرص، وتقويض الثقة في المؤسسات. ومن هنا، فإن تعزيز الشفافية والمساءلة والنزاهة يعد أمرًا أساسيًا ليس فقط للحكم الرشيد، بل أيضًا لضمان حصول النساء والفتيات على الخدمات والفرص والعدالة على قدم المساواة.
نظرة إلى المستقبل
إن التقدم الذي حققته النساء في ليبيا خلال السنوات الأخيرة يثبت أن التغيير ممكن. فمن المشاركة في الانتخابات إلى قيادة البلديات، والدفاع عن الحقوق وتعزيز مجتمعاتهن، تواصل النساء الليبيات لعب دور حيوي في رسم مسار التنمية في البلاد.
ومن المهم ألا تبقى هذه النجاحات إنجازات معزولة، بل أن تتكامل لتعزيز أثر أوسع وأكثر استدامة.
فعضوات المجالس البلدية، على سبيل المثال، سيحتجن إلى دعم مستمر لتلبية تطلعات ناخبيهن. كما أن تعزيز شبكات التواصل بين القيادات النسائية، عبر المجالس البلدية والسلطة القضائية والمجتمع المدني والمؤسسات العامة، يمكن أن يسهم بشكل كبير في الحفاظ على هذا الزخم.
كما أن توفر بيانات وأدلة أفضل يعد أمرًا أساسيًا لصياغة سياسات تعزز الشمول وتكافؤ الفرص. وفي هذا السياق، يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع مصلحة الإحصاء والتعداد على إعداد تقرير التنمية البشرية الوطني المقبل في ليبيا، والذي سيوفر رؤى مهمة حول اتجاهات التنمية ويساعد في توجيه النقاشات السياسية المستقبلية.
وفي وقت تذكرنا فيه التحديات العالمية بمدى سهولة تراجع التقدم، فإن الاستثمار في قيادة النساء ومشاركتهن ليس مسألة مساواة فحسب، بل هو أيضًا ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار والقدرة على الصمود.
وفي هذا اليوم الدولي للمرأة، نحتفي بإنجازات النساء الليبيات، ونجدد التزامنا بالعمل جنبًا إلى جنب مع الشركاء الوطنيين والمؤسسات والمجتمعات المحلية لضمان استمرار التقدم نحو تحقيق الحقوق والعدالة والعمل من أجل جميع النساء والفتيات في ليبيا.
عندما تتمكن النساء من المشاركة الكاملة في الحياة العامة، يتقدم المجتمع بأكمله نحو مستقبل أفضل.