"صنع في العراق" إعادة الأمل والجودة إلى الأسواق المحلية

إعادة تأهيل مصنع خياطة عنه

11 نوفمبر 2025

الصور: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق \ حمزة أحمد

في قلب مدينة عنه في محافظة الأنبار العراقية، يُعاد حَبْك الأمل من جديد قطعةً قطعة في مصنع عنه للخياطة، الذي ظلّ صامتاً لسنواتٍ عديدة. اليوم، يزهوا المصنع بالنشاط، ويُنتج بفخر ملابس تحمل علامة «صنع في العراق» من جديد.

يمثّل هذا المشروع، الذي دعمه برنامج إعادة الاستقرار التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، بصمةَ حياةٍ تعود إلى مدينةٍ بأكملها. فهو ليس مجرد نشاطٍ اقتصادي، بل رمزٌ لعودة المجتمع إلى حياته الطبيعية بعد سنواتٍ طويلة من الصراع داعش.

ويُعدّ تأهيل مصنع الخياطة في عنه نقلةً نوعيةً على مستوياتٍ عدّة، فبالإضافة إلى تعزيزه فرص العمل في المدينة، يشكّل قفزةً كبيرةً في إنتاج الملابس المحلية عالية الجودة على مستوى العراق، مما يشجّع التجار على العودة للاعتماد عليه كمصدرٍ رئيسيٍّ لتزودهم، كما يُعيد هذا المشروع الثقةَ لدى المواطنين بالمنتج المحلي، ويسهم بشكلٍ فعّالٍ في استعادة الأمن الاقتصادي لسكان المدينة.

Three mannequins in safety coveralls: blue with blue helmet, green with white, red with red helmet.

العودة لاستئناف الإنتاج

تم إنشاء المصنع في الأصل عام 1994 من قبل وزارة الصناعة والمعادن، وقد صُمّم لتحقيق مهمة واضحة: خلق فرص عمل حيوية لأهالي عنه. فطوال سنين، عانت المدينة من نقصٍ حادّ في خيارات التوظيف، ما دفع العديد من السكان إما إلى مغادرتها بحثًا عن آفاق أفضل، أو إلى قبول وظائف حكومية في مناطق مجاورة مثل القائم وحديثة. وعند افتتاح المصنع لأول مرة، وفّر للسكان المحليين فرصًا اقتصادية واستقرارًا لم يكن متاحًا لهم من قبل.

شمل إحياء مصنع عنه للخياطة أربع خطوات رئيسية:

  • إعادة التأهيل الشامل للمنشأة، وتركيب 83 ماكينة خياطة حديثة، إضافةً إلى اجهزه كي بالبخار.
  • تدريب مكثّف للعاملين على تشغيل المعدات الإلكترونية عالية السرعة.
  • إنشاء شراكات تسويقية مع مختلف الوزارات الحكومية والتجار المحليين.
  • ضمان وصول المنتَج إلى السوق المحلي بكفاءة وفعالية.

وبفضل عملية إعادة التأهيل الناجحة، اصبح مصنع عنه للخياطة  منارةً للنهضة الاقتصادية ولتمكين المجتمع المحلي. فقد توقف المصنع عن العمل لفترات طويلة بسبب الصراعات وعدم الاستقرار في المنطقة، لكنه اليوم يعاود نشاطه من جديد، منتجًا ملابس عالية الجودة، وقد بدأ منتجه بالعودة تدريجيًّا إلى الأسواق المحلية.

اليوم، حلّت أصوات آلات الخياطة الحديثة محلّ الصمت الذي ساد المكان من قبل. ويُبدع العمال بمهارة في تصنيع الملابس اليومية، والطبية، والعصرية لجميع الأعمار، وبجودة عالية تتوافق مع المواصفات القياسية، حتى باتت منافسةً للملابس المستوردة من حيث النوعية والمتانة.

Four-panel collage: man in teal coveralls; women in black abayas; peppers; shirt on hanger.

جودة تتحدث عن نفسها

لمسات التميز واضحة للعيان في منتجات مصنع عنه للخياطة، حيث يلاحظ أهالي المدينة الفرق في جودة المنتج.

يقول محمد مزهر، صاحب محل بقالة في السوق المحلي: "يمكنك أن ترى الجودة في خياطة هذه الملابس. إنها متينة، مصنوعة بإتقان، ونفخر بها كإنتاج محلي. نحن سعداء حقاً بعودة المصنع للعمل، فهو يمثل أيقونة المدينة".

وتضيف حمدية هلال، ربة منزل: "لم تكتفِ عودة المصنع بتوفير المنتجات في الأسواق، بل أعادت إلينا الفخر المحلي. رؤية علامة 'صنع في العراق' على الملابس في متاجرنا مرة أخرى تملأ قلوبنا اعتزازاً. نحن لا نشتري ملابساً فحسب، بل ندعم تعافي مجتمعنا بأكمله" .

من جهتها، تؤكد تغريد مصطفى عواد على جودة المنتجات قائلة: "أتيت خصيصاً لشراء ملابس لأخي الذي يعمل خارج المدينة، وذلك لما تتمتع به من جودة ومتانة في الإنتاج. أشعر بسعادة وأنا أقتني هذه الملابس لأخي".

أما قيس حازم، عامل الغاز، فيعبر عن فرحه قائلاً: "أنا سعيد حقاً بارتدائي ملابس من إنتاج مصنع عريق كمصنع عنه، لقد رافقتنا منتجات المصنع منذ طفولتي، وحتى الآن بعد أن أصبحت عاملاً، لا تزال هذه الملابس رفيقتي في العمل. أتمنى أن يستمر إنتاج المصنع لأرى أبنائي يرتدونها في المستقبل" .

People wearing masks seated at blue desks in a crowded indoor service hall.


يُجمع العمال على أن المصنع غيّر حياتهم نحو الأفضل، وهم خير شاهد على تأثير هذا المشروع، تقول كوثر هلال، إحدى العاملات ذوات الخبرة: "بعد سنوات من الصراع وعدم الاستقرار، ها أنا أعود لأمارس عملي الذي أتقنه. لقد مكننا التدريب المتقدم على تقنيات الخياطة الحديثة من تطوير مهاراتنا بشكل غير مسبوق، وأصبحنا ننتج اليوم ملابس تنافس المنتجات المستوردة بجودتها."

من جهتها، تعلق حنان محمد، إحدى المتدربات في البرنامج: "غير التدريب المتقدم نظرتيلصناعة الملابس، وخصوصاً مع وجود هذه المعدات الحديثة، اصبحت الحياطة مصدر الهام لي."

People wearing masks seated at blue desks in a crowded indoor service hall.


تقول المهندسة قُدوة حمدي، التي تُشرف على عمليات المصنع: " نعمل اليوم بشكل أفضل مما كنا عليه في الماضي. فقد أصبح عمالنا مدربين على أحدث التقنيات، ومعداتنا تتوافق مع المعايير الدولية. والملابس التي ننتجها اليوم أعلى جودةً من أي منتج صنعناه قبل إعادة الإعمار".

Office scene: person writes at a desk, Iraqi flag beside a logo flag, shelves behind.


يختتم السيد عمر، مدير المصنع، كلامه بالإشارة إلى التحديات القائمة قائلاً: "ما زلنا نواجه تحديات حتى اليوم، تشمل نقصاً في العمالة الماهرة والمواد الخام للإنتاج، ولا زلنا بحاجة إلى مزيد من الدعم للوقوف على أرضية صلبة ومنافسة المنتجات المستوردة." 


حول المشروع 

تم تنفيذ هذا المشروع من خلال برنامج إعادة الاستقرار للمناطق المحررة التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبالتعاون مع وزارة الصناعة والمعادن في العراق، وبتمويل سخي من حكومة نيوزيلندا. كما جرى تنفيذ برامج التدريب تحت إشراف برنامج تطوير القدرات، بتمويل من الحكومة السويدية. 

قصة مصنع عنه للخياطة تظهر كيف يمكن لسبل العيش التقليدية، عندما تجمع مع التدريب والمعدات الحديثة واعادة الاعمار، أن تصبح محركات قوية لتعافي المجتمع. بينما تستمر علامة "صنع في العراق" في الظهور مرة أخرى في الأسواق، فإنها تحمل معها الجودة والفخر والمرونة لمجتمع مصمم على تصميم مستقبله بنفسه.