من دخلٍ غير مستقر إلى دخلٍ مستدام
31 آب/أغسطس 2026
تدير سهى مشروعها الخاص بتأجير مستلزمات الأعراس في تعز.
يساهم الدعم المتكامل النساء في اليمن على المشاركة في الحياة الاقتصادية
يواجه اليمن تحديات معقدة؛ حيث تتفاقم الأزمات وتتداخل، بدءاً من النزاع الذي طال أمده، ومروراً بتفشي انعدام الأمن الغذائي، وصولاً إلى الآثار السلبية لتغير المناخ. وقد أسفر ذلك عن تدهورٍ حاد في الخدمات الأساسية، في وقت تشير فيه إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن اكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي. ومن هنا، تبرز أهمية توفير فرص عمل تتيح للأسر الخروج من دائرة الفقر عبر تمكين مُعيليها من كسب دخل مستدام، باعتبارها خطوة أساسية للحد من انتشار سوء التغذية.
استثمار من أجل المستقبل
تتحمل النساء الريفيات في اليمن مسؤولية رعاية أسرهنّ، لكنهنّ غالبًا ما يفتقرنّ إلى الموارد اللازمة للقيام بذلك. كما يواجهنّ محدودية في الوصول إلى الأدوات المالية، مثل حسابات التوفير والمحافظ الإلكترونية، فضلاً عن فرص بدء مشاريع صغيرة لدعم سبل عيشهنّ.
تُدرك سُهى، البالغة من العمر 33 عاماً، من قرية ذي البراء في محافظة تعز، هذه الظروف جيداً. ففي ظل غياب مصدر دخل مستقر، اضطرت للاعتماد على أعمال مؤقتة منخفضة الأجر لتلبية احتياجات أسرتها الأساسية.
تقول سُهى:" كان الوضع صعب جداً، لا يوجد مصدر دخل يمكنني من المساهمة في مصاريف الأسرة او الادخار أو التخطيط للمستقبل". وتتابع:" كنت أقضي يومي في الأعمال المنزلية ورعاية والدي المُقعد والمحاولة المستمرة للبحث عن فرصة عمل ثابتة".
لكن غالبًا ما كان هذا الكفاح اليومي يدفع أسرة سُهى إلى استدانة النقود.
وتشرح سُهى لوضع قائلة: "لم أكن قادرة على توفير الكثير من الاحتياجات الأساسية، وكان كل ما نكسبه يتلاشى فور الحصول عليه."
بدأت سُهى أولى خطواتها نحو الاعتماد على الذات عندما انضمت إلى برنامج النقد مقابل التغذية، وهو أحد مكونات مشروع تعزيز الحماية الاجتماعية في حالات الطوارئ في اليمن التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تقول سُهى: "انضممت إلى البرنامج كمثقفة صحية مقابل حافز مالي مؤقت. وبعد أن تلقيت تدريباً في مجال صحة الأم والطفل، أصبحت مؤهلة لتنفيذ زيارات منزلية للأمهات وعقد جلسات مشورة وحلقات توعوية حول القضايا الصحية والسلوكية".
سهى تجري فحص سوء التغذية لطفل.
ومع أن دورها الجديد أتاح لها فرصة للعمل وكسب بعض المال، فإنه أظهر في الوقت نفسه مدى أهمية التمكين المالي للمرأة في انتشال الأسر من الفقر. فالتوعية الصحية والدعم النقدي المؤقت، رغم أهميتهما، لا يكفيان وحدهما لإحداث تغيير مستدام.
وهنا تبرز أهمية التدخلات المتزامنة، التي تمكّن النساء من صناعة مستقبلهنّ بأنفسهنّ.
فعلى سبيل المثال، أتاح ربط برنامج النقد مقابل التغذية بمجاميع الادخار والتمويل الريفي (VSLAs) والمحافظ الإلكترونية لنساء مثل سُهى أدوات عملية تساعدهن على إدارة الموارد المالية والادخار، ما قد يمهّد الطريق أمامهنّ لتطوير مشاريع صغيرة مدرّة للدخل.
كيف بدأت سُهى مشروعها
نساء يشاركن في اجتماع لمجموعه الادخار والتمويل الريفي.
يشجع هذا المشروع الأمهات والمثقفات الصحيات على الانضمام إلى مجاميع الادخار والتمويل الريفي، التي لا يقتصر الدعم فيها على تقديم القروض. إذ توفر لهنّ هذه المجاميع تدريبًا على تطوير المشاريع والمهارات المهنية، إلى جانب التدريب على استخدام الأدوات المالية الرقمية التي تتيح لنساء الريف الوصول إلى الأموال وإدارتها، رغم القيود الجغرافية والثقافية التي قد تحول دون ذلك. كما تسهم هذه المجموعات في تعزيز ثقة النساء بأنفسهنّ وتوفر لهنّ شبكة دعم داخل مجتمعاتهن المحلية.
ومن خلال جمعية الادخار والتمويل الريفي في منطقتها، تلقت سُهى تدريباً على اعداد دراسات الجدوى والتخطيط للمشاريع وإدارتها، ما أكسبها المهارات والثقة اللازمتين لإطلاق مشروعها الصغير وبناء مصدر دخل مستدام.
تقول سُهى: " لم يكن الدعم المؤقت الذي حصلت عليه كافياً لبناء حياة مستقرة، لكنه منحني فرصة للمشاركة في مجاميع الادخار". وتضيف:" في البداية شعرتُ بالخوف من عدم الحصول على التمويل عن طريق المجموعة، لكن عندما رأيت مدى كفاءة إدارة العملية، زادت ثقتي بالمشروع".
وقبل الحصول على التمويل اللازم لبدء مشاريعهن الخاصة، يتعين على النساء إكمال دورة ادخار كاملة.
وهكذا استطاعت سُهى الحصول على أول قرض من مجموعتها.
تقول سُهى:" لم يكن التمويل مجرد مبلغ مالي، بل كان تذكرة عبور نحو االبدء بتنفيذ مشروعي الخاص بتأجير مستلزمات الأفراح".
استثمرت سُهى قرضها في شراء أثواب تقليدية، وأقواس مزينة زهور، وترتيبات جلوس، وإكسسوارات احتفالية مصنوعة يدوياً. ففي ريف تعز، يُشكّل شراء هذه المستلزمات الأساسية للأعراس بشكل مباشر عبئاً مالياً ثقيلاً على العائلات؛ لذا لبّى مشروع التأجير الذي اطلقته سُهى احتياجاً مجتمعياً أساسياً في قريتها، وتمكنت من تحويله إلى مصدر دخل ثابت لها ولأسرتها.
سهى تتلقى أول قرض لها لإطلاق مشروعها الصغير.
كما تؤكد سُهى أهمية الخدمات المالية الرقمية في دعم مشروعها.
وتوضح سُهى: " كانت التعاملات المالية صعبة وبطيئة، وكان الدفع يتم نقداً او عبر زيارة مراكز تحويل الأموال في المدن، مما كان يستغرق وقتاً وجهداً كبيراً". وتضيف:" أما الآن، فأستطيع إدارة أموالي بأمان عبر المحفظة الإلكترونية، والحفاظ على تدفق نقدي مستمر للمشروع، بالإضافة إلى تسهيل عمليات الشراء والبيع والدفع. كما أنها تحتفظ بسجل رقمي لكل المعاملات التي اجريها".
وتؤكد سُهى أن مثل هذه الخدمات تُتيح لها "الاعتماد على الذات".
وتقول: "منحني المشروع شعوراً عارماً بالسعادة. فأنا الآن أكسب دخلًا ثابتًا، وأستطيع إدارة نفقاتي بصورة أفضل ومساعدة أسرتي". وتبّين: " لم يغير هذا المشروع حياتي فحسب، بل انعكس إيجابا على أسرتي التي تحسنت أوضاعها المعيشية".
يُسهّل استخدام المحافظ الإلكترونية المعاملات المالية للنساء الريفيات.
بدعم من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية على تمكين النساء الريفيات من خلال الانتقال بالدعم من تقديم المساعدات المؤقتة إلى إيجاد مصادر دخل مستدامة عبر مشاريع صغيرة تقودها النساء. وتعمل مكونات المشروع المختلفة بصورة متكاملة لتحقيق نتائج مستدامة يشمل أثرها المجتمعات الريفية بأكملها. ولا يقاس هذا الأثر بتحسن المؤشرات الصحية وزيادة دخل الأسر فقط، بل بالتحول الكبير في قدره النساء على التخطيط والادخار وإدارة موارد أسرهنّ.
وتجسد رحلة سُهى مثالًا على ما يمكن لنساء الريف تحقيقه عندما يحصلنّ على الدعم المناسب؛ إذ تسهم مثل هذه التدخلات في الحد من الاعتماد على المساعدات، وتعزيز صمود الأسر، وتحويل المستفيدات إلى فاعلات اقتصاديات وشريكات في مسار التنمية المستدامة.