العمل التطوعي الشبابي: جسر ثقة بين المواطن والدولة في دعم الإدارات والمؤسسات العامة
9 كانون الأول/ديسمبر 2025
جيلٌ من الشباب اللبناني يدخل الشأن العام من بوابة العمل التطوعي، فيساهم في تعزيز الشفافية، وترسيخ النزاهة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
"كنت أخرج كل صباح من بلدتي في الجنوب لأصل إلى بيروت. رغم صعوبة المسافة، كنت أشعر أن كل تعب الطريق يزول حين أرى أن عملي يحدث فرقًا حقيقيًا. هذه التجربة جعلتني أؤمن أن الإصلاح يبدأ بخطوة، مهما كانت صغيرة." يقول عباس طويل من الجنوب، أحد المتطوعين في برنامج التطوع الشبابي لتعزيز النزاهة، وهو واحد من عشرات الشابات والشبان الذين التحقوا بالبرنامج من مختلف المناطق اللبنانية — من البقاع والجنوب وجبل لبنان إلى بيروت والشمال — ليكونوا جزءًا من مسار الإصلاح من داخل المؤسسات العامة.
أُطلق هذا البرنامج بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبتمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي وحكومة الدنمارك، بهدف إشراك الشباب في دعم المؤسسات الوطنية وتعزيز الشفافية والنزاهة في العمل العام.
الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: شباب في قلب النزاهة
منذ مطلع عام 2024، استقبلت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ثلاث دفعات من المتطوعين والمتطوعات بلغ عددهم 31 شابة وشابًا من مختلف المناطق اللبنانية، ليعكس البرنامج تنوّعًا جغرافيًا ومجتمعيًا واسعًا.
قدّم المتطوعون دعمًا مباشرًا في عمل الهيئة اليومي، فساهموا في استقبال وأرشفة أكثر من 20 ألف تصريح عن الذمة المالية والمصالح، ومساعدة المصرّحين خلال العمليّة، إلى جانب تحديث قاعدة البيانات وإنشاء أنظمة رقمية لحفظ المعلومات بشكل مستدام. كما ساعدوا في تنظيم البريد وتصنيف الملفات وتحديث النظام المالي والمحاسبي وإدارة الموقع الإلكتروني بدقة وانتظام.
تقول تالا ديّا، إحدى المتطوعات في الهيئة: "تجربتي التطوعية كانت إيجابية جدًا. لم أتوقع أن أعمل مع فريق يقدّم هذا القدر من الدعم ويمنحنا الثقة بأننا قادرون على إنجاز المهام المطلوبة."
كما ساهم المتطوعون في إعداد أبحاث قانونية ودعم التقييم الوطني لمخاطر الفساد من خلال التواصل مع الإدارات وجمع وتحليل البيانات.
وزارة التنمية الإدارية: في صميم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد
في موازاة هذا العمل، كانت مجموعة أخرى من المتطوعين تواكب جهود وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) في تنفيذ وتقييم وتحديث الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد.
منذ أيار 2025، انضم 11 متطوعًا ومتطوعة لدعم الوزارة في جمع البيانات، وإعداد التقرير الثالث حول تنفيذ الاستراتيجية، والمساهمة في التحضير لتحديثها للفترة المقبلة 2026 – 2030.
تقول كوثر أبو حمدان، متطوّعة في الوزارة: "وزارة التنمية الإدارية تُعدّ ركنًا أساسيًا من أركان الدولة، والمشاركة فيها كانت فرصة لأكون جزءًا من الإصلاح. أعمل ضمن فريق يجمع توصيات لتحديث الاستراتيجية الوطنية، ونساهم أيضًا في توعية جيل الشباب على مفهوم النزاهة، لأن الإصلاح يبدأ من المجتمع نفسه."
وساعد المتطوعون الوزارة في تنظيم أكثر من 20 اجتماعًا للجنة الفنية المعاونة للجنة الوزارية لمكافحة الفساد، والتنسيق مع أكثر من 30 جهة رسمية لتوفير البيانات، وتنظيم عشرات جلسات التشاور لمتابعة تنفيذ المبادرات. كما دعموا أعمال اللجنة الوزارية لمكافحة الفساد، وساهموا في تعزيز الشفافية في التعيينات العليا من خلال تحضير الملفات ومتابعة الإجراءات.
يقول عمر، أحد المتطوعين: "كنت أعتبر القطاع العام غير منتج، لكن بعد تجربتي اكتشفت كم هناك موظفين يعملون بجد رغم قلة الموارد. هذا ما جعلني أؤمن أن المساهمة من الداخل أهم من الانتقاد من الخارج."
تجارب ملهمة... وإيمان بالتغيير
لم تكن تجربة زين زبيب، أحد المتطوعين في وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، مجرد خطوة عابرة.
يقول زين: "أحيانًا كلبناني أشعر أنني لا أملك القوة لإحداث التغيير، لكن من خلال انضمامي إلى القطاع العام كمتطوع، اكتشفت قدرتي على صنع فرق."
هذه الكلمات تعبّر عن قناعة مشتركة لدى جميع المتطوعين الذين شاركوا في البرنامج، أن الإصلاح ليس مهمة مستحيلة، بل عملية تراكمية تبدأ من الأفراد المؤمنين بالتغيير.
أثر يتجاوز الأرقام: طاقة الشباب تغيّر الإيقاع
لم يكن الأثر مرتبطًا فقط بعدد الملفات أو التقارير، بل بطريقة العمل التي أدخلها المتطوعون إلى الإدارات العامة.
لقد ساهم حضورهم في تسريع إنجاز المعاملات، وتحسين الأرشفة، وتنظيم المعلومات، وتخفيف الضغط عن الفرق الداخلية. لكن الأهم أنهم بثّوا طاقة جديدة قائمة على الحماسة والانضباط والمبادرة.
وفي المقابل، اكتشف المتطوعون واقع المؤسسات العامة، تعرّفوا إلى التحديات اليومية التي تواجهها، وأدركوا كيف يمكن للإرادة الفردية أن تصنع فارقًا ملموسًا داخل المنظومة.
الثقة تُبنى بالمشاركة
مع حلول اليوم الدولي لمكافحة الفساد، تتجلى هذه التجربة كدليلٍ حيّ على أن بناء الثقة لا يبدأ بالقوانين وحدها، بل بالأشخاص الذين يؤمنون بدورهم في المصلحة العامة.
لقد أثبت المتطوعون والمتطوعات أن النزاهة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تعيد الحياة إلى مؤسسات الدولة، وتقرّبها أكثر من المواطنين.
كما تقول إحدى المتطوعات: "أردت أن أترك أثرًا، ولو صغيرًا، في بلدي. واليوم أدرك أن هذا الأثر الصغير هو بداية طريق طويل نحو إدارة عامة أكثر شفافية وإنسانية."
وهكذا، أصبح العمل التطوعي مساحة لتجديد الثقة بين الدولة وشبابها، ولزرع قناعة جديدة بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يُسمع صوت الشباب داخل المؤسسات، لا خارجها.