جوردان ريان: الكلمة التي ألقيت في مركز سيادة القانون ومكافحة الفساد، قطر

12 فبراير 2012

أصحاب السعادة، الضيوف الكرام، السيدات والسادة،
أود أن أتقدم بالشكر إلى النائب العام القطري، صاحب السعادة الدكتور/ علي بن فطيس المري، ليس فقط على تفضله بترتيب هذه الزيارة لقطر، التي آمل أن يثبت أنها تمت في أنسب الأوقات، ولكن بوجه خاص من أجل إتاحة تلك الفرصة الرائعة وشرف الحديث أمام جمهور كريم في هذا المركز الجديد لمكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون. 

فهذا المركز يعد مثالاً إيجابياً وملموساً للشراكة بين قطر والأمم المتحدة. وهو يبرهن على التزام قطر بتعزيز النزاهة والقدرة على الصمود على الصعيد الوطني، من خلال تعزيز إدارة الحكم وسيادة القانون. ويوفر المركز منفذاً مهماً للمنظمة التي أنتمي إليها، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – بمشاركة قطرية قوية ومتواصلة – للانخراط في العمل الحيوي على مستوى المنطقة من أجل إقامة السلام وتحقيق الازدهار للمواطنين، والعمل على مكافحة الفساد، وتعزيز سيادة القانون.

في البداية، ولأولئك الذين قد لا يعلمون، حيث إن الأمم المتحدة قد تكون معقدة أحياناً، فإن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو ذلك القسم من الأمم المتحدة الذي يركز على مفهومين يسيرين: "حياة ممكنة" و"بلدان صامدة". ونحن نعمل تحت قيادة رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة، السيدة هيلين كلارك، ويرأس مكتب الدول العربية، الأمينة العامة المساعدة، السيدة أمة العليم السوسوة. أما أنا فأرأس مكتب منع الأزمات والإنعاش. ونحن نعمل داخل البلدان، ومع الشركاء، لتقديم منظور إنمائي للبلدان والشعوب التي تواجه مشاكل حرجة في السلام والاستقرار، إضافة إلى الأزمات الإنسانية والكوارث.

دور قطر
يتسم عالم اليوم بسرعة نشوب الاضطرابات التي يؤدي أكثرها إلى حدوث تحولات أساسية. فعلى مدى العامين الماضيين، شهدت المنطقة العديد من تلك التغيرات. إلا أن تلك التحولات، خاصة إذا شابها عنف، لن تؤدي إلى التقدم من تلقاء ذاتها. فهي تتطلب قيادة معززة، ومشاركة من جانب المواطنين، والتزاماً طويل الأمد. ويصدق هذا بوجه خاص على العالم العربي، حيث أدت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتسارعة إلى قلب اليقين الراسخ لجيل كامل من القادة.

تعد قطر واحدة من تلك البلدان التي نهضت لملء هذه الفجوة الناشئة. فهي تقدم مساعدة حيوية للبلدان التي تمر بتحولات في سياق إصلاحها للحكم بها. وقد أنتجت الوساطة القطرية زخماً وآمالاً في دارفور، وفي اليمن، وفي عديد من حالات الأزمات أو الصراعات. وفي منطقة شاع فيها اللجوء إلى الحلول العنيفة للنزاعات، وفرت القيادة القطرية، بعيدة النظر، حيزاً للحلول القابلة للتفاوض للصراعات، وإرساء مبدأ سيادة القانون. إن مناصرة قطر المستمرة للحريات الأساسية، ولا سيما حرية التعبير، كان مثالاً يحتذى في منطقة غالباً ما ينظر إليها نظرة مغايرة. وأخيراً فإن مناصرة قطر المتزايدة لمساعدة المجتمعات على تحسين قدراتها على التكيف في مواجهة التغيرات المناخية، تتباين بوضوح مع المساندة الفاترة التي تقدمها مصادر أخرى.

التعاون بين قطر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي

تشكل المجالات الرئيسية التي تحظى باهتمام قطر ومشاركتها في التشجيع على قيام عالم سلمي ومستدام جزءاً من العمل الرئيسي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أيضاً. فقد استفدنا من عملنا الخاص العديد من الدروس وطورنا العديد من الممارسات الأفضل. ومن بين الأمور المشجعة لنا ما علمناه من أن الدبلوماسيين والخبراء القطريين يفعلون الشيء ذاته.

بينما نبدأ فيما آمل أن يكون شراكة حقيقية تهدف إلى ضمان حياة أكثر أمناً وحرية وتمكيناً لمواطني الدول العربية، فضلاً عن العالم الأوسع، فمن الخطوات الأولى المهمة النظر في هذه الدروس والممارسات، وتبادل الخبرات والأفكار التي يمكن أن تساعدنا ونحن نمضي قدماً.

فبعد أكثر من عشرين عاماً من مشاركتي كممارس في مجال التنمية، تعلمت أن التقدم الحقيقي يتحقق عندما تتعلم البلدان، والمؤسسات، والشعوب، أن تتعاون تعاون الشركاء الحقيقيين. ويعني ذلك التركيز على المشكلة وحلولها، بدلاً من التركيز بالدرجة الأولى على العصبيات، أو المناصب، أو تقديم الغرور الشخصي. لذلك يحدوني أمل كبير في شراكة قوية بين قطر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي— بالنظر إلى ذلك الشاغل المتمثل في تقديم حلول لقضايا لطالما اعتبرت مستعصية على الحل.

وأود إلقاء الضوء على ثلاثة مجالات محددة:

الأول، مساعدة البلدان التي تمر بمراحل تحول على إصلاح مؤسسات الحكم فيها. ربما لا يوجد مؤسسات أخرى من شأنها أن تؤثر تأثيراً كبيراً على الحياة اليومية للمواطنين مثل السلطة القضائية والشرطة. ولكن إصلاحهما دائماً ما يكون معقداً ويتسبب في انقسامات كبيرة. ونعتقد، في الأمم المتحدة، أنه إذا ما نمت بذور سيادة القانون والخضوع للمساءلة وتجذرت وتم رعايتها رعاية جيدة – تماماً مثل شجرة السدرة القطرية – فسيتمكن المواطنون من الاجتماع تحت ظلها في سلام واستقرار. إن بسط سيادة القانون وتوفير الفرص المتساوية أمام العدالة ضروريان لازدهار المجتمع ومشاركة المواطنين. كما أنهما ضروريان كذلك للنمو الاقتصادي والاستقرار.

المجال الثاني، ضمان منع نشوب الصراعات، وحلها، وإدارتها بصورة سلمية. في رأينا، فإن الأولوية الرئيسية هنا هي مساعدة شركائنا على التوصل إلى الحلول النابعة من جانبهم للعنف، أو التوترات، أو الأزمات وتنفيذ تلك الحلول. ويعد ذلك بالغ الأهمية بشكل خاص نظراً للتحولات الجارية في المنطقة التي بقدر ما حلت العديد من الصراعات إلا أنها ولدت غيرها.

أما المجال الثالث فهو مساعدة الدول النامية، وخاصة تلك المعرضة للكوارث الطبيعية، مثل نيبال وبنغلاديش، على بناء القدرات، والقدرة على الصمود، على نحو يساعدها على التكيف بشكل أفضل مع التغير المناخي. بالنسبة للعديد من البلدان، صار التكيف مع الكوارث الطبيعية أو استعادة العافية بعدها من بين أهم التحديات. فبدون هذه القدرة ستتعرض التنمية والسلام والاستقرار للخطر.

ثمة تحديات متعددة. فالتقلبات المناخية والتغير المناخي تعرض المياه، البيئة، الزراعة، الصحة، والأمن الغذائي لضغوط في العديد من مناطق العالم. وبذات القدر من الأهمية، فإن آثار تغير المناخ أصبحت الآن بادية في زيادة تواتر الأحداث المناخية المتطرفة وشدتها. وهذه ليست مجرد أمور افتراضية. فالعديد من الصراعات والأزمات الجارية على مستوى عدة بلدان، وخاصة في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل الأفريقي، يمكن ربطها بشكل كبير بالتغير المناخي.

واسمحوا لي أن أتحدث أكثر عن كل من هذه المجالات، مع إبراز بعض التحديات وأفضل الممارسات لحلها. ومن شأن هذه الملاحظات أن تكون بمثابة نقاط بدء لمزيد من التعاون.

سيادة القانون:

في سياق الربيع العربي، كان دور كل من المؤسسات الرئيسية في الحكم – القضاء، الشرطة والأجهزة الأمنية، والبرلمانات – موضوع نقاش عام ساخن، والعديد من التظاهرات والاشتباكات، وانتقادات حادة لعدم قدرتها على تمثيل جميع المواطنين، وخدمتهم على قدم المساواة. وكانت النتيجة بزوغ عدد من الممارسات الجيدة.

وقد اضطلعت قطر ذاتها بقيادة هذا المجال، ويمكن للنموذج الذي تقدمه أن يفيد المنطقة بدروس مستفادة. وعلاوة على ذلك، ألزمت السلطة الوطنية الفلسطينية نفسها بتقديم خدمات عادلة وأمنية تتسم بالكفاءة، والتجاوب، وتخضع للمساءلة، في إطار استعداداتها لإنشاء الدولة. وقد ساند برنامج الأمم المتحدة الإنمائي السلطة الفلسطينية بشكل مباشر في بناء نظام عدالة كفؤ ومتجاوب. فساندنا، على وجه التحديد، وزارة العدل، مجلس القضاء الأعلى، مكتب النائب العام، الشرطة المدنية الفلسطينية، اللجنة الفلسطينية لمكافحة الفساد المنشأة حديثاً، ومحكمة جرائم الفساد، عندما كانت تبني كفاءاتها من أجل تقديم خدمات عالية الجودة للشعب الفلسطيني.

ومن نافلة القول؛ يتعين علينا أن نكون أكثر إبداعاً في غزة. ففي هذه البيئة السياسية الحساسة، يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع جماعات المجتمع المدني الفلسطيني، والجامعات، ونقابة المحامين لتمكين الشعب في غزة من خلال توفير فرص الوصول إلى العدالة والقانون. حيث قدمت المساعدة القانونية إلى 4000 فلسطيني – رجالاً ونساءً – في عام 2011، وأنشئت أربع مكتبات قانونية في مواقع مختلفة من غزة.

نحن في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نؤمن بالأهمية البالغة لمثل هذا النوعية من الأعمال في البيئات غير المستقرة المفتقرة إلى الموارد. فالأمر لا ينطوي على مجرد تجهيز الحكومات بما يسهل لها كتابة قوانين أفضل – وإن كان ذلك مهماً – ولكن يجب علينا مساندة مجموعة كاملة من المؤسسات والجماعات – بدءًا من الوزارات، إلى المحامين، والقضاة، والمدعين ووكلاء النيابة، والشرطة، والخدمات الإصلاحية، ومؤسسات حقوق الإنسان، والمنظمات غير الحكومية، وجماعات المجتمعات المحلية – ليتمكن هؤلاء من تقديم الخدمات العامة بكفاءة، وعدالة، وشرعية.

كما يسرني أيضاً أن أقول إننا نعمل عن كثب مع البنك الإسلامي للتنمية للمساعدة في خلق فرص عمل في كل من غزة وجميع أنحاء الضفة الغربية لأولئك الذين تعرضت وسائل كسب عيشهم للتدمير جراء الصراع. ومن الرائع مشاهدة الرجال والنساء، بل وحتى الأطفال، الذين تحسنت معايشهم بفضل عملهم الجاد، وبمساعدة مركزة، وداعمة، وفي التوقيت المناسب. وكذلك أيضاً، فإن العمل الرامي إلى تعجيل خطى تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، وخاصة في القرن الأفريقي والساحل الأفريقي، يسير في التوقيت المناسب حالياً. ويبذل كل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية جهداً مشتركاً غير مسبوق في هذه القضايا. ونأمل من قطر بوصفها دولة ذات رؤية أن تتمكن من إيجاد وسيلة لتصير أكثر إبداعاً في المستقبل، لتساعد في أن يصبح كل من الجانبين الإنساني والتنموي للأمم المتحدة أكثر فعالية على الأرض حيثما كان ذلك مهماً.

ومن الأمور بالغة الأهمية على وجه الخصوص تغيير هياكل القوة التي ظهرت أثناء الصراع المسلح. حيث إن "أمراء الحرب"، الذين يحتفظون بنفوذهم من خلال الشبكات الإجرامية، والمليشيات أو المجموعات المسلحة، يمكن أن يتحولوا إلى عصابات إجرامية بمجرد انتهاء الصراع. في جنوب السودان، على سبيل المثال، فإن سلطة الزعماء التقليديين في حل النزاعات سلمياً تعترضها العصابات الإجرامية المسلحة التي يعود وجودها وولاءاتها إلى زمن الحروب مع السودان. وأدى ذلك إلى وقوع أعمال قتل واسعة النطاق وانعدام للاستقرار. وبالمثل، فإن توافر الأسلحة جراء الصراع الليبي تسبب في إلحاق الدمار في شمالي مالي وبقية منطقة الساحل الأفريقي. لذلك، فمن الضروري أن تصاحب المساندة المقدمة إلى إدارات الشرطة، والحكومات المحلية، والمجتمعات المحلية إجراءات لمراقبة السلاح، ليتسنى لهؤلاء ضمان سلامة الأفراد. 

وعندما أقول "تجهيز" فإنني لا أشير إلى المستلزمات والعتاد مثل مباني المحاكم، مكاتب الموظفين المدنيين، أو الأزياء الموحدة – وكل من ذلك يعد ضرورياً – ولكنني أشير أيضاً إلى "التجهيزات" البشرية والقدرات. ويحتاج موظفو الحكومة وزعماء المجتمع المحلي إلى التوعية، والدعم الإستراتيجي والإرشاد لتمكينهم من العمل بكفاءة. ويتطلب منع نشوب العنف المسلح تقديم حوافز اجتماعية واقتصادية فعلية، لكي نضمن أن يجد الشباب بديلاً عن العصابات المسلحة.

فعندما تستقر المجتمعات وتصبح في حماية من العنف المسلح من خلال السلطة الشرعية للدولة، يبدأ الناس في اكتساب الثقة في إقامة نشاط اجتماعي واقتصادي سلمي من جديد. وعندما يكون لدى هيئات العدالة والشرطة الالتزام والقدرة على الاضطلاع بمسؤولياتهم بشكل سليم، على نحو يعزز من سيادة القانون، فسيكون لدى الأفراد والمجتمعات ثقة في تلك الهيئات وائتمان لها في أنها ستكون سبباً في الحل لا المشاكل. 

ومن شأن هذه العمليات أن تولد حلقات مثمرة، تحقق السلام والاستقرار شيئاً فشيئاً. ونظراً لما تتسم به هذه المهام من تعقيد وعمق، فلا يمكن أن تبني مؤسسات وطنية وقضائية وأمنية، تقوم على ديمقراطية صحية ومستقرة، بين عشية وضحاها. على سبيل المثال، في أعقاب استقلال تيمور – ليشتي، فإن إعادة بناء قطاع العدالة من الألف إلى الياء استغرق أكثر من 10 أعوام. ففي أعقاب استفتاء 1999 كانت البنية التحتية للبلد مدمرة، وكان هناك خواء شبه كامل في الموارد البشرية.

وبفضل روح التصميم لدى الحكومة الوطنية والمواطنين، وبمساندة من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أقسم أول قضاة، ومدعو عموم، ومحامو عموم اليمين في عام 2007. وخضع القانون الجنائي لتنقيح وتحديث شاملين. وأنشئ مركز تدريب قانوني ومحاكم، وسجون، وإدارة مستقلة للادعاء، ومكتب للمحامي العام. واليوم تواصل تيمور - ليشتي توسيع نطاق نظام العدالة وإضفاء الطابع المهني عليه من خلال المحاكم المتنقلة، وزيادة عدد القضاة والمحامين. وفي سياق ذلك، تواصل تيمور - ليشتي تدعيم العقد الاجتماعي بين الحكومة والشعب وتقليص فرص انعدام الأمن والصراع العنيف.

إن تغيير هيئات العدالة والشرطة، أو إصلاحهما أو إعادة بنائهما يستلزم جهداً طويل الأمد. وقد أشار أحدث تقرير للتنمية العالمية إلى أنه "يستغرق جيلاً". ولذلك نعتقد بضرورة أن تبدأ الجهود مبكراً وليس لاحقاً. إن مساندة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أماكن الصراعات، من الصومال إلى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى كولومبيا يلقي الضوء مجدداً على حقيقة أن المؤسسات الوطنية الشرعية الخاضعة للمساءلة، المتسمة بالكفاءة، والقادرة على توفير العدالة والأمن – دون تمييز – تمثل أسساً بالغة الأهمية لسيادة القانون، والسلام والاستقرار.

إن شعوب المنطقة العربية تنادي بالحكم الرشيد، وأنا أعتقد، في ضوء تجاربنا المشتركة، أن احتمالات التعاون بين دولة قطر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تلبية تلك المطالبات، وفي غيرها من البلدان المتضررة من الأزمات والصراعات في جميع أنحاء العالم، قوية للغاية.

منع نشوب الصراعات والوساطة

صارت الصراعات العنيفة اليوم مختلفة، على نحو متزايد، عما اعتدنا التعامل معه:

فهي أولاً، تقع على مستويات عدة من المجتمع. فكما هو الحال في ليبيا واليمن، لا يكفي الوصول إلى اتفاق مع أفراد مجموعة صغيرة على المستوى الوطني، مهما كانت أهمية تلك الاتفاقات. فالصراعات بين العشائر، والقبائل، وأولئك المختلفين في انتماءاتهم الدينية ستتواصل، على المستوى الوطني في الغالب.

وثانياً، فإن المجتمعات التي يجري بها تحول سريع، أو صراع عنيف، أو أزمة مطولة يمكن أن تصبح ظاهرة متكررة، خاصة إذا استمرت مرحلة التحول وظهرت قضايا وتوترات جديدة. ويظهر ذلك جلياً في مصر، تلك البلد التي تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في برلمان جديد منقسم يتفاوض مع مجلس عسكري منقسم داخلياً وقادة ليبراليين للجماعات المحتجة في الشوارع، من أجل إنشاء نظام جديد للحكم الوطني. ومع ذلك، فقليل من الأطراف الفاعلة هي التي تمتلك تحت يدها أدوات أخرى خلاف حشد الجماهير أو إخضاعها. وفي ليبيا وسوريا، تنتشر بالفعل الانقسامات الطائفية، وجميع الأطراف في البحرين واليمن تعاني من عدم القدرة على الدخول في حوار مستدام أو مفاوضات بناءة.

ينشب العديد من الصراعات والأزمات على مستويات لا يمكن في الغالب الوصول إليها من خلال الوساطة الخارجية. وأكثر البلدان كذلك لن تقدم في الغالب على دعوة تلك الوساطة. ومن المحزن أن العديد من تلك البلدان تفتقر إلى المعرفة بـ "العملية". فالنسبة لأكثرها تعتبر تلك العمليات مثل التشاور، والحوار متعدد الأطراف المعنية، والتوافق اللاحزبي من المبتدعات. فأعضاء البرلمان الجديد في مصر، والعديد منهم محامون ومهنيون مثقفون، بمقدورهم "البحث على الإنترنت" عن أفضل ستة نماذج دستورية متاحة. ولكنهم يفتقرون عادة إلى الكفاءة في التوفيق بين مختلف وجهات النظر في موضوع ما، والوصول إلى توافق حول مواءمة مناسبة من أجل مصر. ونظراً لاستبعاد طلبهم للوساطة الخارجية، فيجب تقديم الدعم من الداخل.

فكيف نقدم هذا الدعم؟

تتطلب عمليات التحول الجارية في منطقة الدول العربية، إضافة إلى المساعدة الفنية، دعماً من "متخصصين في العمليات" أو أفراد أو مؤسسات لا ينظر إليها باعتبارها ممثلة للتدخل الخارجي. ويتعين وجودهم لمصاحبة مختلف عمليات الإصلاح وتوجيهها من الداخل بلطف، ولضمان حل الأزمات من خلال التوافق والمفاوضات البناءة.

على سبيل المثال، أرسل متخصصان من هؤلاء، من المنطقة ويتحدثون العربية، إلى تونس بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وساعداها في تحريك الحوار الوطني في عام 2011. كما تقدم مبادرة "المساحة المشتركة" في لبنان مثل ذلك الدعم عند الطلب، بما في ذلك الدعم عن طريق الإنترنت.

ونحن نرى أن المتخصصين المدربين على هذه العمليات أو "الوسطاء الداخليين"، الذين ينتمون - على سبيل الأفضلية – إلى البلد ذاتها، أو ربما من داخل المنطقة، يمكن أن ييسروا بناء الثقة، والحوار، وحل الصراعات؛ وهي أمور بالغة الأهمية في استقرار مراحل التحول. وقد نجح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، من خلال العمل بتحفظ، ضمن معايير الملكية الوطنية، في معاونة الأفراد والمؤسسات، التي تحظى بالمصداقية، في لعب تلك الأدوار في أكثر من عشرين بلداً، على مدى العقد الماضي. وكانت النتائج مشجعة للغاية، وتراوحت ما بين انتخابات سلمية إلى حل أزمات معينة وصراعات عنيفة.

وأنا أعتقد أن قطر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يمكن لهما، بل وينبغي لهما، الانخراط في حوار منهجي حول أفضل الوسائل لمساعدة شركائنا الوطنيين في اكتساب القدرات الخاصة بهم للوساطة وإدارة الصراعات. ويمكننا أن نساعد معاً على جلب "الوسطاء الداخليين" و"المتخصصين في العمليات" من جميع أنحاء المنطقة، ومن غيرها من مناطق العالم، وبحث كيفية بناء تلك القدرات وتطبيقها، لا سيما في منطقة الدول العربية. وبالنظر إلى الدور المتزايد في أهميته، الذي تضطلع به قطر في جميع أنحاء العالم، يحدوني أمل كبير أن أرى قطر تستضيف مثل هذا الحوار وتديره.

بخصوص الحد من أخطار الكوارث

أخيراً، اسمحوا لي أن أمضي بعض الدقائق في الحديث عن مسألة المخاطر الطبيعية والتغير المناخي. وأود أن أشيد بما نصت عليه إستراتيجية التنمية الوطنية (2011-2016) لقطر من "مواءمة النمو الاقتصادي مع التنمية الاجتماعية والإدارة البيئية". ويتمثل الناتج الرئيسي تحت ركيزة التنمية البيئية لرؤية قطر الوطنية في تحقيق "توازن بين احتياجات التنمية وحماية البيئة". وتم السعي لتحقيق ذلك من خلال "دور دولي استباقي وذو مغزى في تقييم أثر التغير المناخي والتخفيف من حدة آثاره السلبية".

إن مسار تعزيز التنمية المعادلة للكربون في الوقت الذي يتم فيه حماية الموارد الطبيعية مع ضمان التنمية العادلة، على النحو المضمن في رؤية قطر الوطنية وإستراتيجية التنمية الوطنية، يعد بحق مهماً وإبداعياً. وحقيقة كون قطر طرفاً في الاتفاقيات الدولية المعنية بالتنوع البيولوجي، وتغير المناخ، وبروتوكول كيوتو، والتصحر، والأنواع المهددة، والنفايات الخطرة، وقوانين البحار، وحماية طبقة الأوزون، وتلوث السفن، وغيرها من الاتفاقيات العديدة، تعد برهاناً على أن قضايا الحد من المخاطر والتخفيف من آثارها، وخاصة المخاطر المصاحبة لتقلبات المناخ وتغيراته، تشكل جزءاً جوهرياً في التنمية الوطنية ومسؤوليات قطر الدولية.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشاركها هذه الالتزامات، وما برح يعمل على معالجة مخاطر التغير المناخي وآثاره من خلال تقييمات المخاطر المناخية، وتدعيم البيانات المناخية والمعلومات وتحليلها، وتنويع إستراتيجيات التخفيف من الآثار على القطاعين الاجتماعي والاقتصادي والتنموي للحياة الوطنية، وإيجاد قدرات مؤسسية وبشرية لإدارة المخاطر المناخية. 

سيهمنا بشكل خاص التباحث مع قطر حول إمكانيات تعزيز التعاون فيما بين بلدان الجنوب تعزيزاً لزيادة القدرة على الصمود في مواجهة آثار التقلبات والتغيرات المناخية.

إن قطر مؤهلة تأهيلاً جيداً للعب دور ريادي في تعزيز هذا الشكل من التعاون، لا سيما مع البلدان التي لديها معها روابط اقتصادية وثقافية قوية. فمن بين المساهمين الرئيسيين في الاقتصاد القطري مغتربون من جنوب آسيا وجنوب شرقها. وبلدان مثل نيبال، بنغلاديش، إندونيسيا والفلبين تصنف ضمن البلدان الأكثر عرضة للمخاطر الطبيعية، ويتوقع أن تتأثر بشكل كبير بتقلبات المناخ وتغيراته. وبعض تلك الآثار السلبية أصبح مشهوداً بالفعل متمثلاً في زيادة شدة الفيضانات، والجفاف، والأعاصير. وعلى قطر أن تبذل المزيد إن كانت ستضطلع بدور أكثر فعالية في مساندة المجتمعات المحلية في تلك البلدان على التكيف بشكل أفضل حماية لحياتها، ووسائل كسب عيشها، وبيئتها، ولتحمل تلك الآثار واستعادة عافيتها منها.

ومن المعروف أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هو ذلك القسم من الأمم المتحدة المعني بالمهام طويلة الأمد؛ فالتنمية تستغرق وقتاً. ونحن نرغب في مواصلة هذه العملية طويلة الأمد من العمل مع الناس، والمجتمعات المحلية والحكومات في كل من البلدان المعرضة للخطر والأشد فقراً لمساعدتها في التصدي لهذه التحديات الإنمائية. وسنكون ممتنين على وجه الخصوص إذا تمكنا من الاشتراك مع حكومة قطر لمساندتها بشكل بناء.

خاتمة
اسمحوا أن أختتم بتهنئة قطر قيادة وحكومة على فوز الملف الخاص باستضافة كأس العالم لكرة القدم لعام 2022. فلا شك أنه شرف تفردت به حكومة قطر وتقدير مستحق لإسهامها الدولي البناء في السلام والتنمية. وأنا أسترجع بعض الكلمات التي قالها صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثان، ذلك الرجل المقتضب في حديثه المفعم بنشاط متأصل، بمناسبة فوز الملف القطري. حيث قال: "أشكركم على إيمانكم بالتغيير..."

وفي إحدى الصحف بالأمس، طالعت خبر قيام صاحبة السمو الشيخة موزا[A1]  بإطلاق ملف استضافة أوليمبياد 2020، تحت شعار "لنلهم الغد"، في انعكاس رائع لرؤية قطر.

ونحن أيضاً نؤمن بقوة التغيير. في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وخاصة في مكتب منع الأزمات والإنعاش، نسعى حثيثاً من أجل تحقيق تغيير إيجابي ومستدام في حياة الناس والمجتمعات المحلية التي نعمل معها. ونحن ملتزمون، مثل حكومة قطر، بمساندة المؤسسات التي تعزز السلام والاستقرار، ذلك أن التنمية البشرية المستدامة لن تصبح حقيقة واقعة كما نتمنى جميعاً إلا من خلال السلام والاستقرار. 

وحان الوقت الآن لكل من قطر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يبذلا أكثر كثيراً لإلهام التغيير، والتعاون من أجل التغيير، والعمل بحق معاً تحقيقاً للتغيير من أجل صالح الكافة.

اليوم، ومع حكومة قطر وشعبها الذين يتسمون بالالتزام، والإبداع، وامتلاك الرؤية، ممثلين في شخصكم سعادة النائب العام وزملائكم، معكم كشركاء موثوقين، فإننا في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، من مكتب الدول العربية إلى مكتب الأزمات إلى المديرة شخصياً، نشعر جميعاً بالحماس لمواجهة تحديات اليوم وغداً والمضي قدماً معاً على ذلك الطريق المثير.

شكراً لكم.