القيادة
thumbnail

تم تعيين هيلين كلارك كمدير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 17 نيسان 2009، وتعد كلارك أول امرأة تتقلد مهام قيادة المنظمة. وهي أيضا رئيسة مجموعة الأمم المتحدة للتنمية، وهي لجنة تتكون من رؤساء جميع الصناديق والبرامج وإدارات الأمم المتحدة العاملة في مجال قضايا التنمية.

كلارك: نحو شمول سياسي واقتصادي للجميع في أعقاب الربيع العربي

22 يونيو 2011

image

 
في أعقاب الربيع العربي: "نحو اشتمال سياسي واقتصادي للجميع في العالم العربي"
في أكاديمية التنمية التعليمية
واشنطن العاصمة

أتوجه بالشكر إلى السفير تشامبرلين ومعهد الشرق الأوسط على الاشتراك في استضافة ذلك الحدث، في ظل اهتمام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حالياً بالفعاليات المقامة في المنطقة العربية.

فمنذ قرابة عشر سنوات مضت، بدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في التكليف بإعداد تقارير التنمية البشرية في البلدان العربية. وقد جذبت أول أربعة تقارير الانتباه إلى أوجه القصور في الحريات وإدارة الحكم، في التعليم والإنتاج والاستفادة من المعرفة، وفي تمكين المرأة في المنطقة.

قد ألقى التقرير الأخير، لعام 2009، الضوء على التحديات واسعة النطاق في مجال الأمن البشري، بما في ذلك المعدلات المرتفعة لبطالة الشباب على مستوى المنطقة. 

في الأشهر الأخيرة، رفعت تقارير التنمية البشرية في البلدان العربية من فوق الأرفف مجدداً، وأزيل عنها الغبار، واستشهد بها على نطاق واسع حول العالم. ويجب أن يوجه الشكر عليها، وعلى نتائجها البارزة، إلى مؤلفيها. فهم كتبوا ما كتبوا وتحدثوا من داخل المنطقة، وليس من منطقة أخرى بعيدة. 

على الرغم من تناول التقارير مواضيع مختلفة تناولاً عميقاً، إلا أن الرسالة الرئيسية كانت جلية – كان التغيير ضرورياً في المنطقة من التنمية البشرية في معناها الواسع.

فهؤلاء الناس الذين ملؤوا الشوارع والميادين في الدول العربية وعرضوا أنفسهم لخطر كبير في الأشهر الأخيرة نادوا من أجل تحقيق التغيير فوراً.

قد تحدوا الهراوات والرصاص للتعبير عن رغبتهم العميقة في الكرامة، والحصول على الفرصة، وحماية حقوق الإنسان.

طالبوا بأن يكون قول له مردود في القرارات التي تشكل حياتهم، ونهاية للفساد، والظلم، والقمع.

قد أسهمت عوامل عدة في موجة الغضب الكبيرة ضد الاستبعاد الاقتصادي والسياسي والحرمان من الحريات الأساسية.

في البداية، صارت الأحوال أصعب على العديد من الناس في المنطقة مع هبوط معدلات النمو جراء الركود العالمي. وكما كان الحال، حتى قبل الركود، وفقاً لتقرير التنمية البشرية في البلدان العربية لعام 2009 فإن النسبة المقدرة للذين يعيشون في الدول العربية على أقل من دولارين يومياً قد انخفضت فقط من نحو 22.5 في المائة في عام 1990 إلى ما يزيد قليلاً على عشرين في المائة في عام 2005، وهو آخر عام تتوافر فيه البيانات.

وفي مصر، قدر البنك الدولي نسبة الذين كانوا يعيشون بأقل من دولارين في اليوم في عام 2005 بتسع عشرة في المائة. وإذا ما جعل خط الفقر عند 3 دولارات يومياً، فسيعتبر ما يزيد على خمسين في المائة من السكان في عداد الفقراء. وبهذا المقياس، فإن ما يقرب من نصف مجموع المصريين معرضون بشكل خاص لمخاطر أية صدمات في الدخل أو الأسعار – كما حدث في أوقات الركود ومع تقلب أسعار الغذاء والوقود. وفي عدد من البلدان الأخرى في المنطقة عانى الناس من نقاط ضعف مماثلة.

فقد كانت البطالة تحدياً كبيراً في المنطقة، وخاصة في صفوف الشباب. ويشكل الشباب تحت سن 25 عاماً أكثر من خمسين في المائة من السكان، وهم يعانون من معدلات بطالة تبلغ ضعفي المتوسط العالمي للشباب تقريباً.

هناك عدم توافق بين أعداد خريجي الجامعة ونوع الوظائف المتاحة لهم في المنطقة. وفي مصر، أكثر من خمسة وعشرين في المائة من الشباب الحاصل على شهادات جامعية يعانون من البطالة. وفي تونس، تبلغ هذه النسبة ما يقرب من أربعين في المائة.

وجدير بالملاحظة أيضاً أن معدل البطالة محتسب على أساس الموجودين في سوق العمل - وليس أولئك الذين لا يعملون ولا يبحثون عن وظائف. ووفقاً لمنظمة العمل الدولية، تشهد أسواق العمل العربية أدنى معدلات لمشاركة القوى العاملة في العالم. كما أن معدل مشاركة المرأة منخفض على وجه الخصوص، حيث يبلغ 27 في المائة.

تعرض العديد من المجتمعات المتقدمة إلى هزة شديدة جراء الركود العالمي، تقلب أسعار الغذاء والوقود، ومعدلات البطالة المرتفعة.

لكن يبدو أن الآثار تم امتصاصها هنا بفضل أنظمة الحماية الاجتماعية، كما أن الديمقراطية لها صمامات أمان للتعبير عن عدم الرضا والانتقال السلمي للسلطة.

بلدان المنطقة العربية التي يوجد بها عدد كبير من الناس تحت خط الفقر أو قريباً منه، وتعداد كبير من الشباب، مع عدم وجود صمامات أمان، وتعانى في العديد من حالات قمع شديد لحقوق الإنسان، انقلب الاستياء إلى ثورة تهدف إلى تغيير عام. ومن شأن ذلك أن يفتح الآفاق لبناء اقتصادات أكثر اشتمالية للجميع، وكذلك مجتمعات وأنظمة سياسة، وكفالة الحقوق الأساسية التي سبق الحرمان منها في الماضي.

ولكي تنجح عمليات الإصلاح الجارية حالياً وتصبح مستدامة، يجب أن يقودها ويديرها أطراف وطنية. ومن ناحية أخرى يمكن للمجتمع الدولي أن يدعم العملية. واسمحوا لي أن أذكر بعض الوسائل التي يقوم بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بذلك.

فجزء جوهري من التكليف المنوط بنا هو مساندة جهود البلدان في بناء حكم ديمقراطي. ونحن نعتمد، في هذا العمل، على خبرة واسعة اكتسبناها من تجاربنا حول العالم، وحقيقة كوننا شركاء موثوقين وقادرين على العمل في الأماكن الحساسة.

أثناء وجودي في القاهرة مؤخراً، شاركت إلى جانب رئيس الوزراء المصري، في حدث نظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أجل قطاع عرضي واسع من المصريين وآخرين من المنطقة. وكان الهدف منه تبادل الخبرات مع أولئك الذين ساعدوا في قيادة مراحل التحول إلى الديمقراطية في أجزاء أخرى من العالم، بما فيها أمريكا اللاتينية، جنوب أفريقيا، وإندونيسيا.

بخلاف هذا الحدث، فإننا نساند عملية الحوار الوطني الرسمي بمشاركة أحزاب متعددة في مصر، ونساعد في تحديد سبل تشجيع الشباب على المشاركة في العمليات التي ستصوغ مستقبل هذه الأمة.

نقوم بحشد الدعم لتطوير بنية حقوق الإنسان، وآليات مكافحة الفساد، وأجندات اللامركزية والحكم المحلي. كما نقوم بإرسال خبراء لتقديم المشورة بشأن استعادة الأصول وإصلاح قطاع الأمن.

في تونس، يقدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المساندة إلى اللجنة الانتخابية الجديدة ولتطوير الأحزاب السياسية. كما يجري العمل أيضاً للمساعدة على إعداد خيارات سياسات لإستراتيجية مكافحة الفساد؛ لدعم إقامة حوار وطني اشتمالي؛ وللمساعدة في تدعيم المجتمع المدني، من خلال مساندة العمل على وضع إطار تنظيمي جديد للمنظمات غير الحكومية. كما طلب أيضاً من البرنامج المعاونة في إصلاح قطاع الأمن.

أعتقد أنه من الضروري، في كل تلك الأعمال، حماية حقوق النساء والفتيات، لضمان سماع أصواتهن، وتمثيلهن على موائد صنع القرار.

لكننا نعلم أن بناء الحكم الديمقراطي وحده لا يكفي. بل يجب أن يستكمل بمساندة زيادة النمو الاقتصادي الاشتمالي الذي يصل إلى الشباب والفئات المهمشة بصفة عامة.

في حين يتم تفعيل الإستراتيجيات الأطول أجلاً، يجب خلق فرص عمل سريعة المكاسب – وهو المجال الذي يتمتع فيه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بخبرة يمكن أن يعتمد عليها صانعو السياسات.

وفي مصر، يشجع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلق فرص العمل من خلال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم وبرامج الائتمان الأصغر. كما نساعد أيضاً في تصميم برنامج الأشغال العامة لمواجهة تحديات الإنعاش الاقتصادي قصيرة الأجل.

وفي تونس، نعمل على تصميم برامج تدريب للشباب، ومساندة الأشغال العامة كثيفة العمالة في إحدى المناطق التي تأثر اقتصادها بشدة جراء الأزمة الليبية.

ونقوم بمراجعة برامجنا في المنطقة، بلداً بلداً، لنتمكن من الاستجابة بكفاءة للظروف المتغيرة. 

وما زالت النتائج الكاملة للأحداث الجارية بالمنطقة غير معروفة. فعند سقوط الأنظمة وبالمرور بمراحل التحول، تكون الآمال عالية، ومن ناحية أخرى تكون هناك عقبات على طول الطريق. والتحولات السريعة لا تجلب معها فقط فرصاً جديدة، ولكنها تجلب كذلك خطوطاً جديدة للانقسام والتوتر. كما أدى انخفاض النمو الاقتصادي في البلدان المارة بتحولات إلى زيادة المحنة.

وختاماً، لقد شهدنا نجاح الحركات الشعبية في الإجبار على تحقيق التغيير السياسي في الدول العربية المحورية.

ويتعين الآن أن يعقب ذلك القيام بعمل شاق وتفصيلي لبناء مجتمعات، واقتصادات، وأنظمة حكم أكثر اشتمالاً.

وسيحتاج ذلك إلى مثابرة، وصبر، ومشاركة، ولكن هذا ضروري إن كان للآمال المشروعة،لأولئك الذين حققوا التغيير وما زالوا يكافحون من أجله، أن تتحقق.