تقرير التنمية البشرية: "الربيع العربي" يُظهر الحاجة إلى تنمية أوسع مراعية للبيئة

02 نوفمبر 2011


كوبنهاجن
— سيتطلب تحقيق تنمية مستدامة بحق في الدول العربية عملاً أشد جرأة تجاه التفاوتات الداخلية والمخاطر البيئية، بحسب تقرير التنمية البشرية 2011 الصادر هنا اليوم عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

يدعو تقرير 2011 المعنون الاستدامة والإنصاف: مستقبل أفضل للجميع إلى بذل جهود أوسع لتعزيز التنمية البشرية المنصفة، وذلك بالحد من الخلل في التوازن بين الجنسين وتوسيع الفرص أمام المجتمعات المهمشة في البلدان.

كما أنه يتصدى للتحديات المناخية بإطلاق نداءات من أجل مصادر تمويل جديدة للمساعدة على سداد فاتورة التنمية المتوازنة والتحول إلى الطاقة المتجددة.

كتبت هيلين كلارك، المدير الإداري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مقدمة التقرير تقول: "يمكن للاستثمارات في تحسين الإنصاف — على سبيل المثال، في إمكانية الحصول على الطاقة المتجددة والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية الإنجابية — الارتفاع بمستوى كل من الاستدامة والتنمية البشرية".

أنماط منحرفة للتنمية البشرية

حققت البلدان العربية على مدى 40 سنة تقدماً مطرداً في الدخل والتعليم والرعاية الصحية حسب مؤشر التنمية البشرية بالتقرير الذي يتضمن ترتيبات سنوية للإنجاز في الصحة والتعليم والدخل.

فعُمان والمملكة العربية السعودية وتونس والجزائر والمغرب كلها من بين أفضل عشرة بلدان أداءً على مؤشر التنمية البشرية، في حين كانت ليبيا من بين العشرة بلدان القيادية في الإنجاز غير المرتبط بالدخل على مؤشر التنمية البشرية منذ 1970.

لكن يُظهر مؤشر التنمية البشرية الكلي دولاً عربية تتسم بأنماط منحرفة للتنمية البشرية، حيث تحتل الإمارات العربية المتحدة (رقم 30) وقطر (رقم 37) والبحرين (رقم 42) ثلاثتها مراتب في الربع الأعلى من الأمم فيما تقع ثلاثة أخرى السودان (رقم 169) وجيبوتي (رقم 165) واليمن (رقم 154) بين الأدنى.

يغطي مؤشر التنمية البشرية 2011 عدداً قياسياً من الأمم والمناطق يبلغ 187 من ضمنها 19 دولة عربية والأراضي الفلسطينية المحتلة.

في تباين صارخ مع المناطق النامية الأخرى، حدث النمو على مؤشر التنمية البشرية بين الأمم العربية بالدرجة الأولى تحت سيطرة مركزية.

لكن مع "الربيع العربي" الذي يتيح - كما يقول التقرير - فرصاً جديدة لتأسيس حكم على درجة أكبر من الشمول للجميع،

بدت في 2011 أن "متناقضة الديمقراطية العربية موشكة على الانتهاء فجأة، مما يفتح الباب أمام تحقيق أتم لحريات الشعوب وقدراتها في عموم المنطقة".

التفاوتات بين الجنسين وبين الأجيال

كما ينوه التقرير أيضاً إلى أن التقدم في التنمية البشرية في المنطقة العربية عرضة لمخاطر نتيجة التفاوتات واسعة الانتشار بين الجنسين وبين الأجيال، وهذه التفاوتات هي محور السخط الشعبي في بلدان عربية كثيرة.

يمكن أن تفاقم التحديات البيئية الكبيرة — من ضمنها تلوث المدن وتدهور الأرض والنقص الحاد في المياه — الصعوبات المتوقعة المرتبطة بتغير المناخ بحسب التقرير.

يقول التقرير إن "الربيع العربي" كشف عن فجوات واسعة بين الأجيال وبين الجنسين، إذ إن نصف السكان في الدول العربية دون 25 سنة، ومعدلات البطالة بين الشباب تفوق بدرجة كبيرة المتوسط العالمي.

ففي مصر، التي فرضت فيها المظاهرات الشعبية إجراء تغيير في الحكومة، ويتواصل فيها ضغط مستدام على القادة المؤقتين، لا يجد نحو 25 في المائة من خريجي الجامعات فرص عمل بدوام كامل. وفي تونس، التي فجر متظاهروها "الربيع العربي"، يرتفع الرقم إلى 30 في المائة بحسب التقرير.

على الرغم من ارتفاع الأداء الاقتصادي في العديد من الدول العربية، فإن المنطقة متأخرة عن المناطق الأخرى في تمكين المرأة.

وعلى الرغم من التقدم المحرز في السنوات الأخيرة، فإن المرأة في البلدان العربية متضررة بشكل خاص بفعل عدم المساواة في المشاركة في القوى العاملة (نحو نصف المتوسط العالمي) وتدني التحصيل التعليمي كما يقول التقرير.

باستخدام مؤشر عدم المساواة بين الجنسين الوارد في التقرير، والذي أُدخل في 2010 لتحليل المشاركة في القوى العاملة والمشاركة السياسية والتحصيل العلمي والحقوق الإنجابية، تحتل اليمن مرتبة البلد الأشد في عدم المساواة في العالم (رقم 146).

كما تحتل المملكة العربية السعودية (رقم 135) والسودان (رقم 128) أيضاً موقعين بين الأمم الأقل إنصافاً من المنظور القائم على اعتبار الجنس. وعلى الطرف الآخر من المقياس، تتصدر الإمارات العربية المتحدة (رقم 38) المنطقة في المساواة بين الجنسين نتيجة عاملي الصحة والتعليم تليها البحرين (رقم 44) وتونس (رقم 45).

التحديات البيئية متعددة الطبقات

بحسب التقرير، تواجه بلدان المنطقة بشكل موحّد مجموعة من التحديات البيئية التي تستحق إيلاءها الاهتمام على سبيل الأولوية.

فالمنطقة العربية هي المنطقة الأشد قحولاً في العالم، ولمشكلات المياه أهمية بالغة في ربوع كثيرة، حيث تؤثر على أكثر من 60 في المائة ممن يعانون من الفقر الشديد في المنطقة.

وتستهلك الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية كلها مياهاً أضعاف المعدلات المستدامة كما يشير مؤشر التنمية البشرية، في حين تنذر الأردن وسوريا باستنفاد مواردهما المتجددة، مما يزيد التوترات داخل البلدان ومع الجيران.

باستخدام نتائج الاستقصاءات العامة العالمية لمؤشر التنمية البشرية حول البيئة، تحتل المنطقة العربية مرتبة لا تفوقها في التدني إلا منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وهي الأشد فقراً في العالم وفق قياسات مؤشر التنمية البشرية في الرضا الجماهيري عن جودة المياه، وأفاد 55 في المائة من العراقيين عن عدم رضاهم عن إمداداتهم من المياه.

يحذر التقرير من أن الصحاري المتسعة والموارد المتقلصة والآثار الأخرى المرتقبة لتغير المناخ العالمي يمكن أن تزيد حدّة الصعوبات التي تواجه الدول العربية التي تضم أعلى نسب من الناس الذين يعيشون على أرض غير صالحة للزراعة المنتجة (25 في المائة من السكان) متقدمة على منطقة أفريقيا جنوب الصحراء (22 في المائة).

وفي السودان والمغرب، يعيش نحو 40 في المائة من السكان على أرض متدهورة أربعة أضعاف المتوسط العالمي مما يؤثر بشكل خطير على قدرتهم على تلبية حاجاتهم إلى الغذاء على المدى الطويل.

وتعاني الدول العربية من أعلى مستوى للتلوث الحضري من بين كل المناطق وأعلى مستوى في العالم من الاعتماد على أصناف الوقود الأحفوري وفق قياسات مؤشر التنمية البشرية.

تتصدر قَطر العالم في نصيب الفرد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كما تمثل هي والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت - وكلها في الخليج - أربعة من أكبر خمسة مصادر للتلوث بثاني أكسيد الكربون (ترينيداد وتوباغو تحتل المركز الثاني)، وإن كانت هذه القيم تعكس كلاً من استهلاك الطاقة وإنتاج الطاقة التي تُستهلك في بلدان أخرى.

يبلغ نصيب الفرد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في قطر تسعة أضعاف المتوسط​العالمي. ولدى السودان والعراق بعض من مستويات التلوث الحضري الأكثر تطرفاً في العالم، وتظهر استقصاءات مؤشر التنمية البشرية أن الناس في الأمم العربية من بين الأقل رضا عن نوعية الهواء.

ويشير التقرير إلى أن التقدم الإنمائي لا يتعين أن يعتمد بالضرورة على الانبعاثات الكربونية المرتفعة. فنصيب الفرد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في النرويج (11 طناً) أقل من ثلث نصيب الفرد في الإمارات العربية المتحدة (35 طناً)، رغم ارتفاع الدخل في البلدين.

ويحث التقرير بشدة في توصياته على إطلاق مبادرة عالمية بشأن الطاقة لتوفير الكهرباء لنحو 1.5 مليار شخص غير متصلين بشبكات الكهرباء الوطنية. وهو يؤيد توسيع استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرهما من أصناف الطاقة المتجددة خارج أمم مجموعة العشرين، التي تشكل 90 في المائة من الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة.

على سبيل المثال، أقرّ التقرير باعتماد العديد من البلدان العربية لمثل هذه البدائل في ظل وفرة أشعة الشمس والهواء في المناطق الساحلية، وإن كانت هذه البدائل ما زالت لا تمثل إلا 11 في المائة من إمدادات الطاقة الأولية، أي أقل من نصف المعدل العالمي.